مي ياقوت
كل الأمم التي يخرج منها شعوباً متحضرة لديها اخلاق وأسس ومسئولية ونظام كانت تهتم بالطفولة فالطفل هو حجر الأساس في بناء المجتمع، فما يُغرس في وجدانه وعقله خلال هذه المرحلة يرسخ ويصبح جزءًا من منظومته القيمية وسلوكه المستقبلي فعقل الطفل ” إسفنجة” هكذا يقول علماء النفس ماتمتصه يظل طوال عمره ويخرج علي المجتمع سلب وإيجاب
وفي ظل الانفتاح الإعلامي الهائل وتعدد مصادر التلقي، باتت مسؤولية انتقاء المحتوى المقدّم للطفل مسئولية مصيرية، لما لها من أثر مباشر في تحصينه من آفتي الجريمة والتطرف اللتين تستهدفان الفئات الهشّة فكريًا ونفسيا
فالعمر من 3 إلى 12 عامًا له ثلاث سمات تجعل الطفل أكثر عرضة للتأثرًاولها قابلية التقليد والمحاكاة ويميل الطفل فيها إلى محاكاة النماذج التي يراها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، دون إدراك لعواقبها وهي مرحلة خلق القدوة فالمجتمعات التي قدوتها نماذج تبرز البلطجه والفساد وتكرمهم مثلاً في أفلام السينما او الدراما من خلال قصص هدامة وفنانون والتي يكون فيها كل التسليط على الترفيه وكرة القدم مثلاً.
او الغناء المسف او المحاكي للمجتمعات المختلفه عن قيم واخلاق المجتمع يخرج أطفالها ممسوخي الهوية و ممسوحي الدماغ بعكس المجتمعات التي تكرم العلماء وكل عمل نبيلات مفيد للبشرية فيخرجًمنها، أطفال يكونون كذلك فالأولي مستقبلها في خطر وهدم مستمر في ظل عقول أطفال مسروقه ممحية المبادي والهوية والثانية ذات مستقبل مبهر وبناء.
أما. ثاني خصائص العمر فهو غياب الملكة النقدية حيث يفتقر الطفل إلى القدرة على التمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ، فيتقبل ما يُعرض عليه على أنه أمور مسلمة فمثلا الطفل الذي يخرج من بيئة الام والأب فيها او احدهم يتخذ من السباب والشتائم او التنمر او العنف وسائل للتعبير يخرج مثلهم واسوأ ، الطفل الذي يجد امه وابوه يكذبان او احدهما يخرج ايضاً كاذبا دون تفكير
وأهم خصائص تلك الفئة العمرية الحاجة إلى الانتماء والهوية فإذا لم يجد الطفل إشباعًا لاحتياجاته النفسية والاجتماعية داخل الأسرة والمدرسة، سعى للبحث عنها في جماعات بديلة، وقد تكون منحرفة او متطرفة وهذه الثغرات هي ذاتها التي تستهدفها الجماعات المتطرفة والبيئات الجانحة عبر محتوى موجه بدقة لإغراء الأجيال الناشئة.
ومن هنا تبرز أهمية المحتوى المقدم للطفل فالمحتوي ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل هو أداة بناء أو هدم. وللحد من استشراء الجريمة والتطرف، يجب أن يقوم المحتوى المقدّم للطفل على ركائزمنها ترسيخ القيم الأخلاقية والقانونيةمن خلال قصص وبرامج تؤكد على قيمة العدل، واحترام النظام، وحل النزاعات بالحوار لا بالعنف، وتربط بين الحرية والمسؤولية وتعزيز الانتماء الوطني والهوية الدينية الوسطية بتقديم سير العظماء والعلماء، والتاريخ الوطني المشرّف.
ومفاهيم الدين السمحة التي ترفض الغلو والتكفير وتؤكد على قيم الرحمة والتعايش وتنمية التفكير النقدي والإبداعي عبر محتوى يحفز الطفل على السؤال والتحليل والتجريب، ليصبح قادرًا على دحض الأفكار المغلوطة ومواجهة خطاب الكراهية بالحجةوإشباع الفراغ المعرفي والنفسي بتوفير بدائل جاذبة من محتوى علمي وثقافي وترفيهي راقٍ، يسد الباب أمام المحتويات التافهة والعنيفة التي تروج للبلطجة والانحراف باعتبارها “قوة” و”بطولة”.
إن تحصين الطفل مهمة تكاملية لا تقع على عاتق جهة واحدة ولكل منها دور هام فمثلا الأسرة هي الحصن الأول ويتمثل دورها في الرقابة الواعية، والحوار، والمشاركة في اختيار ما يشاهده الطفل وتفسيره له والمؤسسات التعليمية من خلال المناهج والأنشطة التي تغرس المواطنة وقبول الآخر ونبذ العنف ووضع حصص لتقويم السلوك فالتربية أولا ثم التعليم.
ليأتي دور المؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى بضرورة الالتزام بميثاق شرف مهني يراعي المرحلة العمرية، ويقدم نماذج إيجابية وقدوات صالحة بدلًا من ترويج ثقافة الانحراف، مثل ماقدمته الداخلية من كارتون يخاطب الطفل ” فطين وبلبل” و فيلم ” أبطال الي الأبد” وكتاب ” أطفال وابطال” والذي كان النصيب في تأليفهم في المقابل كان تنظيم داعش ينتج أفلاما كارتونيه تدعو للعنف وألعابا ان هاجم فيها الطفل الجيش والشرطة ونجح ظهرت له عبارة ” الله اكبر” وان تمت هزيمته بدلا من ” جيم اوفر ” تتحول الي ” مبروك لقد استشهدت” وهو تحكم في عقل الطفل.
ويأتي دور الدولة من خلال التشريع والرقابة، ودعم إنتاج محتوى وطني هادف موجه للطفل ينافس المحتوى المستورد الذي يشجع العنف والمثلية وكل مايخالف القيم الحميدة والاهم علي الدول الواعية ان تدرك ان كل هذا اداة من أدوات حروب الجيل الرابع والخامس ومابعدها
إن الجريمة والتطرف لا ينشآن في فراغ، وإنما ينبتان في تربة خصبة من الجهل والفراغ الفكري والعاطفي. والاستثمار في عقل الطفل ووجدانه عبر محتوى رشيد هو أنجع وسائل الوقاية وأقلها كلفة.
فالطفل الذي ينشأ على قيم الحق والخير والجمال، لن يكون مشروع جريمة في الغد، بل سيكون لبنة صالحة في صرح الوطن ” فالوقاية بالتربية والمحتوى، خير من العلاج بالعقوبة والسجون.”

