«ملح.. وسكر»

سهام فودة

بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة

ليست كل الأشياء كما تبدو، ولا كل الوجوه مرآةً صادقة لما تخفيه النفوس، فالحياة لا تمنح حقيقتها من النظرة الأولى، وبعض البشر بارعون في صناعة صورةٍ أجمل من حقيقتهم، حتى يصبح اكتشافهم متأخرًا، وتصبح الدهشة أكبر من أن تخفيها الكلمات.

أخبار متعلقة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

لماذا نحب مصر… ولماذا نخاف عليها؟

لا تغرّنكم المظاهر بالناس… حتى الملح يشبه السكر.

فالمظهر قد يمنح انطباعًا، لكنه لا يمنح حقيقة. والابتسامة قد تكون مجاملة، والكلمات الجميلة قد تكون مجرد غلافٍ أنيق لنوايا مختلفة، كما أن الهدوء لا يعني دائمًا الطيبة، والقسوة في الملامح لا تعني بالضرورة سوء القلب.

هناك أشخاص يجيدون ارتداء الصورة التي يحبها الآخرون؛ يظهرون بالود حين تكون المصلحة حاضرة، ويتحدثون عن الوفاء ما دام الوفاء لا يكلّفهم شيئًا، ويبدون أكثر الناس اهتمامًا بينما لا يعنيهم سوى ما يمكن أن يحصلوا عليه.

ولهذا لا تُقاس قيمة الإنسان بما يقوله عن نفسه، وإنما بما تكشفه الأيام عنه.

فالزمن وحده قادر على إزالة مساحيق الصورة. يكشف من يبقى حين تتغير الظروف، ومن يتبدل حين تتغير المصالح، ومن يحفظ الغياب كما يحفظ الحضور، ومن تكون أخلاقه ثابتة سواء كان تحت الضوء أو بعيدًا عن أعين الناس.

وقد تكون أخطر المظاهر تلك التي تأتي في صورة المثالية. فحين يبالغ الإنسان في تقديم نفسه بصورة لا تشوبها شائبة، يصبح السؤال الأهم ليس: كيف يبدو؟ وإنما: ماذا يفعل عندما لا يراه أحد؟

هناك فرق كبير بين الإنسان الذي يبدو صالحًا، والإنسان الذي تكون الصلاحية جزءًا من سلوكه اليومي. الأول قد يصنع انطباعًا، أما الثاني فيترك أثرًا.

والأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. لا ترفع لافتة، ولا تبحث عن جمهور، ولا تنتظر تصفيقًا. تظهر في التفاصيل الصغيرة؛ في احترام الضعيف، وفي حفظ السر، وفي رد الحقوق، وفي عدم استغلال الثقة، وفي القدرة على قول الحقيقة دون تجريح، والاختلاف دون إساءة، والنجاح دون استعلاء.

كما أن بعض العلاقات لا تكشف حقيقتها إلا عندما تتغير موازين القوة. فحين يصبح أحد الطرفين أقل قدرة على العطاء، تظهر طبيعة الطرف الآخر. وحين تنتهي الحاجة، يُعرف هل كانت العلاقة إنسانية أم مصلحية. وحين يسقط القناع الاجتماعي، لا يبقى سوى المعدن الأصلي.

ومن الخطأ أيضًا أن يتحول الحذر من المظاهر إلى سوء ظن بالجميع. فليس كل صامت مخادعًا، وليس كل بسيط ساذجًا، وليس كل إنسان لا يجيد التعبير عن مشاعره فاقدًا لها. هناك نفوس نقية لا تعرف فنون الاستعراض، وقلوب صادقة لا تجيد التسويق لنفسها.

لذلك، لا ينبغي الحكم سريعًا؛ فالحقيقة تحتاج وقتًا، والمواقف تحتاج مساحة كي تكشف أصحابها. الإنسان لا يُقرأ من صفحة واحدة، ولا تُعرف النفوس من جملة عابرة، ولا تُقاس العلاقات بحجم الكلام، وإنما بما يتكرر من سلوك عبر الأيام.

وكلما نضجت النظرة إلى الحياة، قلّ الانبهار بالبريق، وأصبح الاهتمام أكبر بالجوهر. فليس المهم من يبدو جميلًا أمام الناس، بل من تظل أخلاقه جميلة عندما تختفي العيون.

في النهاية، قد تتشابه الأشياء في الشكل، لكن التجربة وحدها تعرف الفارق بين السكر والملح. وكذلك البشر؛ قد تتشابه الوجوه، وتتقارب الكلمات، وتتطابق الابتسامات، لكن المواقف وحدها تستطيع أن تقول الحقيقة.

فلا تنبهروا بما يُعرض، ولا تحكموا بما يظهر… فبعض الأشياء تحتاج أن تُذاق حتى تُعرف حقيقتها.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2