كتب: رضا طاهر الفقي
بين الحلم والواقع يقف الإنسان المثالي، يحمل منارة تضيء دربه، وقيودًا قد تكسره، فالمثالية التي ترفعنا إلى السماء قد تدفننا إن نسينا أن نمشي على الأرض. هذا المقال دعوة للتوازن: أن نحلم بالكمال، ونعيش بالرحمة، وننتصر بالمرونة لا بالجلد.
المثالية جميلة حين تكون منارة.. هي التي ترفع سقف توقعاتك من نفسك، وتمنعك من الرضا بالمتوسط، وتجعلك تقول «لا» للرديء حتى لو كان هو المتاح.
لكنها حين تصبح سجانًا، تتحول من فضيلة إلى عبء، ومن حلم جميل إلى سبب للانهيار والانكسار.
الحياة ليست نصًا أدبيًا نكتبه مرة واحدة وننشره.
الحياة مسودة مفتوحة، نشطب ونعدل ونضيف كل يوم.
حين تدخل المثالية في كل تفاصيل يومك، يصبح كل تأخير لخمس دقائق فشلًا، وكل كلمة غير موفقة خطيئة، وكل علاقة فيها سوء تفاهم خيانة.
وحين يكون الناس حولك بشرًا يخطئون وينسون ويتعبون، يصبح إصرارك على الأفضل دائمًا حكمًا بالإعدام على كل شيء ناقص، ومع الوقت تكتشف أنك لم تعاقب النقص، بل عاقبت نفسك بالوحدة.
من لا يقبل الـ90% سيفقد الـ90%.
ومن ينتظر الشخص المثالي، والصديق المثالي، والعمل المثالي، سيقضي عمره ينتظر ولا يبدأ.
المثالية تصلح للرؤية، تضعها على الحائط وتقول: «هذا ما أطمح إليه».
لكنها لا تكفي وحدها لإدارة يومك، ولا لبناء فريق، ولا حتى للتصالح مع نفسك.
في تلك اللحظة، لا يكون السؤال: “ما الخيار الأكثر مثالية؟ بل يصبح السؤال: ما الخيار الأكثر إنسانية، والأكثر قابلية للاستمرار، والأقل ضررًا؟”.
التمسك بالمبادئ لا يعني جلد الذات، والطموح لا يعني رفض الواقع.
المشكلة تبدأ حين نطلب من الواقع أن يكون نصًا، ومن الناس أن يكونوا أفكارًا، ومن أنفسنا أن نكون ملائكة.
والتاريخ الشخصي لا يكتبه دائمًا الأكثر نقاءً، بل يكتبه من تعثر ووقف، وأخطأ وتعلم، وانكسر ورمّم نفسه.
الإرادة التي لا ترحم صاحبها تتحول إلى قسوة.
والمعيار الذي لا يراعي الظروف يتحول إلى مقصلة.
والموقف الذي لا يسنده قبول للنقص يصبح مجرد إعلان استقالة من الحياة.
أخطر ما يمكن أن يحدث للمثالي هو أن يظل أسيرًا لصورة كيف ينبغي أن يكون كل شيء، فيتردد في اتخاذ القرار لأنه ليس 100%، ويؤجل الفرحة لأنها ليست كاملة، وينسحب من العلاقات لأنها ليست خالية من العيوب.
ليس المطلوب أن تتخلى عن قيمك لكي تعيش.
المطلوب أن تدرك أن الرحمة تبدأ بك أنت، وأن النمو لا يحدث في القمة، بل يحدث في المسافة بين المحاولة والخطأ.
فالحياة التي لا تحميها المرونة قد تكون مجرد ضغط دائم.
والمثالية التي لا تملك مساحة للتنفس قد تتحول إلى ضحية لنفسها.
والتردد في قبول الجيد انتظارًا للممتاز قد لا يمنحك الأفضل، بل يسلبك الحاضر كله.
في معارك اليوم الصغيرة، لا يكفي أن تكون على صواب نظريًا، بل يجب أن تكون قادرًا على العيش عمليًا.
ولا يكفي أن ترفض النقص أخلاقيًا، بل ينبغي أن تمتلك من الحكمة ما يجعلك تبني فوقه.
ولهذا، فإن المثالية حين تفقد توازنها تتحول إلى انكسار.
والحلم حين ينفصل عن الواقع يتحول إلى عجز.
والحكم المطلق على كل شيء قد يصبح شريكًا صامتًا في الاحتراق.
الانتصار ليس أن تعيش بلا أخطاء.
الانتصار أن تعيش رغم الأخطاء، وتتعلم منها، وتكمل.
في عالم مليء بالبشر، الحكمة ليست أن تتخلى عن مثاليتك، وإنما أن تمتلك من التواضع والقوة ما يجعلها تخدمك ولا تقتلك.
المثالية مكانها البوصلة، والرؤية، والحلم.
أما حين تمشي في الطريق، فلا بد أن يقف إلى جانبها وعي رحيم، وإرادة مرنة، وقدرة تعرف متى تتمسك، ومتى تتغاضى، ومتى تقول: «هذا يكفي للآن».
لأن بعض الأرواح لا تنكسر لأنها ضعيفة فقط، بل قد تنكسر لأنها كانت قوية.. ثم أصرت على أن تكون كاملة.

