بقلم: السيد الحراني
في ذكرى الاحتفال بيوم الصحفي المصري 2026 والذي يعود إلي أنه «يوافق التاريخ ذكرى انتصار الصحفيين في جمعيتهم العمومية عام 1995 ضد قانون تقييد حرية الصحافة الذي تم رفضه» وبينما ينشغل كثيرون بالاحتفاء بالمهنة وتاريخها ورموزها يبدو من الضروري أن نتوقف قليلًا أمام واحد من أكثر الملفات غموضًا وإيلامًا في تاريخ الصحافة المصرية الحديثة ليس من باب استدعاء الماضي أو اجترار الأحزان وإنما من باب الواجب المهني والأخلاقي في محاولة تحريك المياه الراكدة داخل قضية لم تغلق رسميًا ولم تحل فعليًا رغم مرور أكثر من عقدين على بدايتها.
إن الحديث عن الكاتب الصحفي «رضا هلال» ليس مجرد حديث عن صحفي اختفى في ظروف غامضة بل عن سؤال كبير ظل معلقًا فوق رؤوس الصحفيين والمثقفين والرأي العام منذ أغسطس 2003 وحتى اليوم «ماذا حدث للرجل؟» و«أين ذهب نائب رئيس تحرير الأهرام الذي غادر مقر عمله ذات يوم ولم يعد؟» و«هل كان ضحية جريمة جنائية عادية؟» أم «ضحية صراع سياسي؟» أم «أنه كان يحمل أسرارًا دفع ثمن معرفتها؟» أم «أن الحقيقة أكثر بساطة مما يتخيل الجميع وأكثر قسوة مما يستطيع الجميع احتماله؟».
بعد أكثر من عشرين عامًا لا تزال الإجابة غائبة بينما تتناسل الروايات وتتناقض الشهادات وتتراكم الأسئلة فوق الأسئلة وربما تكون المأساة الأكبر أن اختفاء «رضا هلال» لم يعد قضية صحفية مطروحة للنقاش اليومي بل تحول تدريجيًا إلى ملف منسي في أدراج الذاكرة العامة وكأن اختفاء صحفي مصري بارز دون أثر أصبح واقعة اعتيادية لا تستحق الإلحاح على معرفة حقيقتها.
لكن الحقيقة أن القضايا الكبرى لا تشيخ والأسئلة التي لم تجد إجابات لا تموت ولهذا فإن إعادة فتح ملف «رضا هلال» اليوم ليست دفاعًا عن شخص غاب فحسب بل دفاع عن حق المجتمع في المعرفة وعن حق الصحافة في أن تعرف ماذا جرى لأحد أبنائها.
ولمن لا يعرف رضا هلال من الأجيال الحديثة على الصحافة والصحفيين كان واحدًا من أبرز الصحفيين السياسيين في مؤسسة الأهرام خلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة وتولى منصب نائب رئيس تحرير الأهرام وتميز بأسلوب مختلف عن السائد آنذاك سواء في تناوله للشأن الإسرائيلي أو الأمريكي أو في قراءاته للتحولات السياسية داخل المنطقة.
لم يكن كاتبًا عاديًا يمر اسمه عابرًا بين أسماء الصحفيين بل كان من الشخصيات المثيرة للجدل داخل الوسط الصحفي نفسه.. البعض رأى فيه عقلًا تحليليًا مختلفًا والبعض الآخر اختلف مع توجهاته السياسية بشدة لكن الجميع تقريبًا اتفقوا على أنه كان شخصية مؤثرة ومتابعة وفي الحادي عشر من أغسطس 2003 انتهى كل شيء فجأة.
خرج رضا هلال من مقر عمله ولم يعد.. اختفى الرجل كأنه لم يكن.. وبدأت الحكاية.
الأيام الأولى.. حين كانت الدولة تبحث عن رجل مفقود
في البداية تعاملت الأجهزة الرسمية مع الواقعة باعتبارها بلاغ اختفاء وجرى البحث عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة والمشارح وتم استجواب المحيطين به ومراجعة تحركاته الأخيرة.
لكن الأيام مرت دون نتيجة ثم تحولت الأيام إلى أسابيع والأسابيع إلى شهور ولم يظهر أي أثر وهنا تحديدًا بدأت القضية تتحول من مجرد بلاغ اختفاء إلى لغز سياسي وإعلامي وحملت أكثر من تأويل وأكثر من رواية:
الرواية الأولى: الجريمة الجنائية.. فكانت هذه الرواية هي الأكثر منطقية من الناحية التقليدية فإذا برجل يختفي فجأة.. إذن ربما تعرض لعملية قتل أو اختطاف بدافع السرقة أو الانتقام أو أي سبب جنائي آخر لكن هذه الفرضية اصطدمت بعدة مشكلات أولها أن «رضا هلال» لم يكن معروفًا بامتلاك ثروات ضخمة أو خلافات مالية كبيرة يمكن أن تدفع إلى جريمة من هذا النوع.. وثانيها أن التحقيقات لم تكشف عن مشتبه بهم أو خيوط جنائية واضحة.. وثالثها أن اختفاء الجثة بالكامل وعدم ظهور أي دليل مادي طوال هذه السنوات يجعل من الصعب قبول فرضية الجريمة التقليدية باعتبارها التفسير الوحيد ولذلك ظلت هذه الرواية قائمة نظريًا لكنها لم تنجح في إقناع كثيرين.
الرواية الثانية: الانتحار.. طرحت بعض الدوائر الإعلامية هذه الفرضية بصورة غير مباشرة وقيل إن الرجل ربما كان يعاني ضغوطًا نفسية أو أزمات خاصة دفعته إلى الانتحار غير أن هذه الرواية بدت هشة منذ البداية فلم تظهر أي رسالة ولم تكتشف أي جثة ولم يقدم أحد دليلًا واحدًا يدعم هذا الاحتمال ولهذا بقيت مجرد احتمال نظري أكثر منها تفسيرًا جادًا.
الرواية الثالثة: الاختفاء السياسي.. هنا تبدأ المنطقة الشائكة فمنذ الأيام الأولى للاختفاء ظهرت تساؤلات حول طبيعة الملفات التي كان يعمل عليها «رضا هلال» وعلاقاته السياسية وكتاباته المثيرة للجدل ومع مرور الوقت بدأت بعض الشخصيات العامة تطرح أسئلة أكثر جرأة فكان السؤال بسيطًا وخطيرًا في الوقت نفسه «هل اختفى رضا هلال بسبب ما كان يعرفه؟» المشكلة أن أصحاب هذا الرأي لم يمتلكوا أدلة قاطعة لكنهم استندوا إلى عدة ملاحظات.. أولها أن الرجل شخصية عامة معروفة.. وثانيها أن اختفاءه تم بصورة شبه كاملة دون ترك أثر.. وثالثها أن القضية انتهت عمليًا إلى طريق مسدود ومن هنا بدأت الشكوك تكبر.
حيث ظل اسم الكاتب الصحفي الراحل «محمد حسنين هيكل» حاضرًا كلما ذكرت قضية «رضا هلال» فهيكل لم يقدم رواية مكتملة للحادث لكنه كان من بين الشخصيات التي تعاملت مع القضية باعتبارها لغزًا حقيقيًا يستحق البحث ولم يخف الرجل دهشته من أن يختفي صحفي بهذا الحجم دون أن تتمكن الدولة أو المجتمع أو الصحافة من الوصول إلى إجابة نهائية وربما كانت أهمية ما طرحه هيكل أنه لم يضف رواية جديدة بقدر ما حافظ على السؤال حيًا «كما احاول أنا أن أفعل الآن» فأحيانًا يكون الإصرار على السؤال أهم من الادعاء بامتلاك الإجابة.
أما الزميل «إبراهيم عيسى» فقد كان من أكثر الأصوات الصحفية التي طالبت بإبقاء القضية حاضرة في المجال العام على فترات متباعدة عاد «عيسى» للحديث عن «رضا هلال» باعتباره نموذجًا لملف لم تعرف حقيقته وكان جوهر موقفه أن مرور الزمن لا يجب أن يتحول إلى سبب لإغلاق القضية أخلاقيًا أو مهنيًا فالصحافة التي تنسى أحد أبنائها بسهولة لا تستطيع أن تطالب المجتمع بعدم نسيان قضاياه.
وبعد أحداث 25 يناير 2011 للحظة ظن الجميع أنها ستكشف الحقيقة فعندما قامت أحداث يناير ورحل نظام «محمد حسني مبارك» اعتقد كثيرون أن ملفات عديدة ستفتح من جديد وكان اسم «رضا هلال» حاضرًا بقوة بين هذه الملفات وتوقع البعض أن تظهر وثائق جديد وتوقع آخرون أن يتحدث شهود صمتوا طويلًا وتوقع فريق ثالث أن تكشف أجهزة الدولة الجديدة ما كان مخفيًا لكن للأسف شيئًا من ذلك لم يحدث ومرت السنوات التالية دون اختراق حقيقي وبقيت القضية كما هي عبارة عن أسئلة كثيرة وإجابات قليلة وحقائق شبه معدومة.
لكن قبل توجيه أصابع الاتهام إلى أجهزة الدولة أو ظروف السياسة أو غموض الملفات الأمنية ثمة سؤال أكثر إزعاجًا ينبغي أن تطرحه الصحافة على نفسها أولًا «ماذا فعلنا نحن؟» فإذا كان «رضا هلال» قد اختفى جسديًا في أغسطس 2003 فإن الاهتمام الجاد بقضيته اختفى مهنيًا بعد ذلك بوقت قصير وكأن الوسط الصحفي الذي يفترض أن تكون مهمته الأساسية مطاردة الأسئلة الصعبة قد قرر مبكرًا التعايش مع غياب الإجابات.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل قسوة عن سؤال الاختفاء نفسه «ماذا فعلت مؤسسة الأهرام وماذا فعل زملاء رضا هلال ورؤساؤه من أجل الوصول إليه؟!».
لا أحد يستطيع إنكار أن الأيام الأولى شهدت اهتمامًا ومتابعة لكن السؤال الحقيقي يتعلق بما جرى بعد ذلك «لماذا لم تتحول القضية إلى مشروع تحقيق صحفي مفتوح داخل المؤسسة التي كان الرجل أحد أبرز قياداتها التحريرية؟» و«لماذا لم تتعامل الصحافة المصرية مع اختفاء صحفي كبير باعتباره أكبر سبق صحفي ممكن وأخطر ملف يستحق المطاردة اليومية حتى الوصول إلى نهايته؟».
لو أن صحفيًا بهذا الوزن اختفى في مؤسسة صحفية عالمية لربما تشكلت فرق بحث وأُعيد بناء آخر أيامه ساعة بساعة وجمعت الشهادات والوثائق والخيوط الصغيرة والكبيرة ولما سمح للقضية أن تتراجع إلى الهامش بهذه السرعة.. أما في مصر فقد بدا المشهد وكأن الجميع اكتفى بطرح السؤال مرة أو مرتين ثم انصرف إلى شؤونه الخاصة تاركًا زميلًا اختفى وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
المفارقة المؤلمة أن المهنة التي ترفع شعار البحث عن الحقيقة لا تبحث كثيرًا عن أبنائها حين يغيبون.. والمهنة التي تخوض معارك يومية دفاعًا عن الحرية كثيرًا ما تدار من الداخل بعلاقات جامدة وهياكل سلطوية تجعل الزميل مجرد ترس في ماكينة ضخمة فإذا توقف أو اختفى استمرت الماكينة في الدوران كأن شيئًا لم يحدث.
ربما كان «رضا هلال» ضحية ظروف مجهولة لا نعرفها حتى الآن لكن المؤكد أن قضيته كانت أيضًا ضحية الإهمال والنسيان وتراجع الفضول المهني فبعض الألغاز لا تظل غامضة لأن أحدًا أخفى الحقيقة فقط وإنما لأن عددًا كافيًا من الناس توقفوا عن البحث عنها.
لذلك المشكلة الحقيقية في في قضية «رضا هلال» ليست نقص النظريات فلدينا فائض منها.. المشكلة في غياب الأدلة فكل رواية تبدو ممكنة لكن لا توجد رواية تبدو مؤكدة.. كل فرضية تمتلك جزءًا من المنطق لكنها تفتقد الحلقة الحاسمة ولهذا بقيت القضية معلقة بين الشك واليقين «ماذا لو أعيد فتح الملف اليوم؟» بعد أكثر من عشرين عامًا قد يبدو السؤال ساذجًا لكن الحقيقة أنه ليس كذلك فالتطور الهائل في وسائل التحليل الجنائي والرقمي وإمكانية مراجعة الوثائق والشهادات وربما ظهور أشخاص لم يعودوا يخشون الكلام كلها عوامل تجعل إعادة فحص القضية أمرًا مشروعًا ليس بالضرورة للوصول إلى إدانة أحد بل للوصول إلى الحقيقة أو على الأقل إلى أقرب نسخة ممكنة منها.
يبقى «رضا هلال» واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا في الغياب.. صحفي اختفى لكن قضيته لم تختف ورجل غاب عن الحياة العامة لكنه ظل حاضرًا في ذاكرة المهنة كجرح مفتوح لم يلتئم وفي خضم الاحتفال «يوم الصحفي» لا يبدو السؤال الحقيقي هو «أين ذهب رضا هلال؟» بل «لماذا توقفت الصحافة نفسها عن السؤال؟» و«لماذا اعتادت المهنة التي تقوم على البحث عن الحقيقة أن تتعايش مع واحدة من أكبر مناطق الغموض في تاريخها الحديث؟» ربما لا نملك اليوم إجابة عن مصير رضا هلال لكننا نملك واجبًا أبسط وأهم «أن نعيد طرح السؤال مرة أخرى».
وربما يكون «رضا هلال» هو الصحفي الوحيد في مصر الذي تحوّل بمرور الزمن من «إنسان مفقود» إلى سؤال مفقود» ففي الدول التي تحترم ذاكرتها العامة تبقى القضايا الغامضة مفتوحة حتى بعد عقود.. وتظل الأجيال الجديدة تسأل «ماذا حدث؟» و«من المسؤول؟» أما عندنا فقد بدا وكأن الزمن لم ينجح فقط في إخفاء الرجل بل نجح أيضًا في إخفاء الرغبة في البحث عنه.
لقد اختفى «رضا هلال» في أغسطس 2003 لكن الذي اختفى معه ربما كان شيئًا أكبر بكثير.. اختفت القدرة على الإلحاح في طلب الحقيقة.. واختفى الإحساس بأن هناك أسئلة لا يجوز أن تموت مهما طال الزمن وبينما تغيرت أنظمة.. وتعاقب مسؤولون.. واندلعت ثورات . وسقطت شعارات.. وأُعيدت كتابة روايات كاملة عن أحداث وشخصيات وتواريخ، بقي ملف «رضا هلال» كما هو صفحة بيضاء تتوسط مكتبة ممتلئة بالوثائق.
وإذا كان اختفاء صحفي واحد قد عجزت دولة كاملة ومؤسسات كاملة وأجيال كاملة من الصحفيين عن فك شفرته فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس «أين رضا هلال؟» بل أين الحقيقة نفسها؟» و«أين ذلك الخيط الرفيع الذي كان يربط بين الوقائع والناس والذاكرة؟» ولعل المأساة الحقيقية ليست أن «رضا هلال» اختفى وإنما أن الغموض انتصر.. انتصر على الوثائق.. وعلى الشهادات.. وعلى الفضول المهني.. وعلى حق المجتمع في المعرفة.
حتى أصبح الملف نموذجًا مصغرًا لحكاية أكبر تعيشها المنطقة كلها.. حكاية حقائق تدفن دون قبور.. وأسئلة تغلق دون إجابات.. ووقائع تتحول مع الوقت إلى شائعات لأن أصحاب الأدلة غابوا أو صمتوا أو ماتوا.
ولهذا فإن إعادة فتح قضية «رضا هلال» اليوم ليست مجرد محاولة للعثور على رجل فقدناه منذ أكثر من عشرين عامًا بل محاولة للعثور على قيمة فقدناها معه من قيمة تقول «إن الحقيقة لا تسقط بالتقادم.. وإن الزمن لا يبرئ الغموض.. وإن حق الناس في المعرفة لا يقل أهمية عن حق الضحايا في العدالة».
فربما أقول ربما لا يكون العثور على «رضا هلال» ممكنًا بعد كل هذه السنوات لكن المؤكد أن الاستسلام لاختفائه هو اختفاء آخر هذه المرة لا يخص صحفيًا بعينه بل يخص مجتمعًا بأكمله قرر أن يتوقف عن السؤال.y

