مساعد الليثي
في الوقت الذي يناقش فيه أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين مشروع قانون مقترح لتأسيس صندوق دعم الصحافة المقروءة ونقابة الصحفيين، أسوة ببعض دول العالم، عبر تحصيل نسبة من شركات الاتصالات التي تقدم خدمات الإنترنت الأرضي والمحمول في مصر، مقابل المحتوى الصحفي الذي تتم مطالعته عبر تلك الباقات، إلي جانب التفاوض مع المنصات الدولية ومحركات البحث وبرامج الذكاء الاصطناعى لتحصيل مقابل استخدام المحتوى الصحفي المصري كمورد أخر للصندوق، في تلك الأثناء وقبل اتخاذ نقابة الصحفيين خطوات فاعلة بشأن المقترح، أقرت شركات الاتصالات زيادات جديدة على أسعار خدمات الإنترنت والمحمول، رغم مضاعفة إيراداتها وأرباحها خلال العام الماضي مقارنة بأعوام سابقة، وهنا يبرز تساؤل مشروع:
لماذا لا يتم تخصيص نسبة محدودة من هذه الزيادة — لا تتجاوز 5% — لصالح دعم الصحافة المصرية ونقابة الصحفيين، دون تحميل المواطن أعباء إضافية جديدة؟
خاصة أن شركات الاتصالات العاملة في السوق المصرية حققت خلال العامين الأخيرين قفزات ضخمة في الإيرادات والأرباح، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخدمات بصورة متتالية.
والمفارقة أن استجابة الحكومة للزيادات المتكررة التي تطلبها شركات الاتصالات تأتي بالتزامن مع تحقيق تلك الشركات طفرة كبيرة في الإيرادات والأرباح، وفي الوقت الذي تتجاهل فيه الجهات الرسمية مطالبات الأوساط الصحفية بسرعة إنقاذ المهنة والمؤسسات الصحفية التي تضيع حقوقها عبر المحتوى المستباح مجانآ، تغرق تلك المؤسسات وفي المقدمة القومية منها في مديونيات بمليارات الجنيهات، ويقبع العاملين بها وفي مقدمتهم الصحفيين في ذيل قائمة معدلات الأجور في مصر، بينما يصارع صحفيو الصحف الخاصة والحزبية الحياة بأجور زهيدة لا تصل في أفضل الأحيان لنصف الحد الأدنى للأجور، وبعضهم لا يتقاضى أجرا على الإطلاق ويعيش على بدل التدريب والتكنولوجيا الذي أصبح أيضا يقترب من نصف الحد الأدنى للأجور أو يزيد عن النصف قليلا.
فلسفة المقترح وحقوق المحتوى الصحفي
بعد تغير الأوضاع التكنولوجية التي أتاحت المحتوى الصحفي عبر الإنترنت تراجع توزيع الصحف الورقية التي كانت توزع ملايين النسخ يوميا تدر دخلا مستدام على المؤسسات الصحفية أصبح من العدل والمنطق وضع إلية تعيد حقوق الصحفيين والمؤسسات الصحفية كحق أصيل للمحتوى الذي يعد منتجا لصناعة متكاملة لمؤسسات وعاملين وصحفيين وإداريين ومقرات وأدوات وإمكانيات تمارس دورة العمل بلا مقابل خاصة بعد أن غيرت الخريطة التكنولوجية الجديدة مسار الإعلانات التي كانت تمثل موردا أخر كان يعوض المؤسسات ويساهم في استمرارية عجلة العمل.
والمفارقة الأكثر أهمية ان زيادة الأسعار لصالح شركات الاتصالات تصب نتائجه فقط في خزائن تلك الشركات، بينما إقرار حق المؤسسات الصحفية يدعم خزينة الدولة من خلال توفير مليارات الجنيهات تدعم بها المؤسسات القومية وقطاع الصحافة سنويا.. فهل نجد أذان صاغية؟.. هل يوجد رجل رشيد في الحكومة؟ أم كل مرة نعود لنناشد السيد رئيس الجمهورية المشغول بملفات الوطن الكبيرة والكثيرة .. فهل دراسة الأمر ومناقشته أمرا مستحيلا.
المصرية للاتصالات
أظهرت نتائج أعمال الشركة المصرية للاتصالات تحقيق:
إيرادات بلغت نحو 82 مليار جنيه خلال 2024 مقارنة بـ56.6 مليار جنيه في 2023، بنسبة نمو وصلت إلى 45%.
صافي أرباح تجاوز 10 مليارات جنيه خلال 2024.
أرباح تشغيلية بعد تحييد فروق العملة بلغت نحو 14.3 مليار جنيه.
كما واصلت الشركة نموها خلال 2025، مع ارتفاع الإيرادات إلى أكثر من 106 مليارات جنيه وفق التقديرات ونتائج الأعمال المعلنة.
فودافون مصر
حققت فودافون مصر واحدة من أكبر القفزات في السوق المصرية خلال 2024 و2025، حيث:
سجلت إيرادات تقترب من 76 مليار جنيه خلال 2024 بمعدلات نمو تجاوزت 40%.
ارتفعت الإيرادات إلى نحو 82.9 مليار جنيه خلال السنة المالية 2024/2025، بنسبة نمو قاربت 50%.
أرباح الشركة خلال الـ 9 أشهر: قفزت إلى 24.1 مليار جنيه خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025-2026.
واصلت الشركة التوسع في خدمات البيانات والمحافظ الإلكترونية والخدمات الرقمية.
كما استفادت المجموعة المالكة “فوداكوم” بشكل كبير من أداء السوق المصرية، التي أصبحت من أبرز مصادر النمو داخل المجموعة عالميًا.
أورنج مصر
رغم عدم إعلان أورنج مصر بصورة تفصيلية عن صافي الأرباح المحلية، فإن مجموعة أورنج العالمية أكدت تحقيق نتائج قوية خلال 2024 مع استمرار نمو الإيرادات والأرباح التشغيلية ورفع مستهدفات التدفقات النقدية خلال 2025.
وتعد السوق المصرية واحدة من أكبر أسواق أورنج في المنطقة من حيث عدد العملاء وخدمات الإنترنت المحمول.
اتصالات مصر
واصلت اتصالات مصر تحقيق معدلات نمو قوية في سوق المحمول والبيانات والخدمات الرقمية، بالتزامن مع التوسع الكبير في خدمات المحافظ الإلكترونية والإنترنت.
وتستفيد الشركة، مثل باقي شركات القطاع، من الزيادات السعرية المتكررة وزيادة الاعتماد على خدمات الإنترنت والمحمول بصورة يومية في مختلف القطاعات.
مستوى الخدمة
ورغم هذه القفزات الضخمة في الإيرادات والأرباح، لا تزال شكاوى المستخدمين مستمرة من ضعف السرعات الفعلية مقارنة بالمعلنة، انتهاء الباقات بسرعة، ارتفاع الأسعار بصورة متتالية، تفاوت جودة الخدمة بين المناطق، ضعف مستوى الخدمة مقارنة بدول عديدة في المنطقة والعالم.
كما يشير مستخدمون إلى أن أسعار الإنترنت في مصر أصبحت مرتفعة نسبيًا مقارنة بمستوى الدخول ومتوسط جودة الخدمة.
لماذا دعم الصحافة مهم للمواطن؟
الهدف من مشروع قانون دعم الصحافة ليس دعم الصحفيين فقط، بل دعم المجتمع كله عبر تحسين جودة المحتوى الصحفي، ودعم الصحافة الاستقصائية، مع تطوير المؤسسات الصحفية رقميًا، إلى جانب حماية التعددية الإعلامية، ورفع كفاءة الصحفيين وبرامج التدريب.
فالصحافة القوية تساعد في نقل مشكلات المواطنين ومراقبة الأداء العام ومناقشة القضايا اليومية التي تمس حياة الناس.
لذلك، فإن تخصيص 5% فقط من الزيادة الأخيرة التي حصلت عليها شركات الاتصالات لصالح صندوق دعم الصحافة المصرية يبدو طرحًا منطقيًا ومتوازنًا، خاصة أن:
الشركات حققت مليارات الجنيهات أرباحًا وإيرادات خلال العامين الماضيين، والمواطن تحمل بالفعل زيادات متتالية في الأسعار، إلى جانب أن الصحافة المصرية تمر بإحدى أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها.
ومن ثم، فإن إعادة توجيه جزء محدود من هذه الزيادات لدعم الصحافة وتطوير المؤسسات الصحفية، كحق أصيل مقابل المحتوى الصحفي الذي يصل مجانا عبر باقات الانترنت التي تستفيد منها شركات الاتصالات فقط، هذا الطرح قد يكون خطوة مهمة وحل أخير يعود بالنفع في النهاية على المجتمع والمواطن نفسه.
فالصحافة الحقيقية حائط صد ضد انتشار الشائعات وتمثل أحد مقومات الأمن القومي كونها صوت الشعب وعين الحاكم، وأحد أهم أدوات حماية المجتمع وحقه في المعرفة.



