كتب: الحسيني عبد الله
البداية
مع اقتراب إعلان وزارة التربية والتعليم نتيجة الثانوية العامة، تتجه القلوب والعقول داخل البيوت إلى المجهول، في ترقب لمستقبل الأبناء. وتعود التوترات القديمة لتلقي بظلالها على آلاف الأسر المصرية، في لحظات حبس الأنفاس أمام الشاشات، والأيدي المرتجفة التي تنتظر أرقامًا مصفوفة بجوار أسماء الطلاب، لتختصر شهورًا طويلة من السهر والتعب والضغط العصبي والنفسي.
بين ترقب وفرحة مؤجلة بـ”المجموع الكبير”، وخوف مكتوم من رقم قد لا يكون في الحسبان، يتصاعد صوت الشارع والمجتمع بعبارات الترقب، وكأن هذه اللحظة الحاسمة هي القول الفصل والحد النهائي لمستقبل هذا الشاب أو تلك الفتاة. لكن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه، بعيدًا عن صخب النتيجة والدرجات، هو: هل الثانوية العامة حقًا هي نهاية المطاف؟
إن المنطق البسيط والمجرد يخبرنا بأن “المجموع” ليس إلا نتاج نظام تقييم زمني محدد، وفي ظروف معينة، ولا يقيس بالضرورة حجم الذكاء أو الإبداع أو الإصرار لدى الطالب. فكم من درجات ضاعت بسبب توتر مفاجئ داخل لجنة الامتحان، وكم من طموحات تبددت مؤقتًا لمجرد أن الحظ لم يحالف صاحبها في ورقة الإجابة!
إن الإخفاق في الحصول على المجموع “المأمول”، أو التأخر في خطوة من خطوات هذه المرحلة، ليس شاهد قبرٍ لأحلامك، بل قد يكون ببساطة مجرد “إعادة توجيه” نحو خطة أفضل لم تكن تتوقعها. فالحياة ليست مسارًا خطيًا مستقيمًا يسير فيه الجميع نحو الهدف نفسه، بل هي مسارات متعددة تتسع لكل صاحب شغف واجتهاد.
سيناريوهات لم تُكتب بعد
إذا نظرنا حولنا في تاريخ الناجحين والمبدعين في مختلف المجالات، من الفكر والأدب إلى التكنولوجيا والأعمال، سنكتشف حقيقة مدهشة: معظمهم لم يكونوا من أوائل الثانوية العامة، وبعضهم مر بعثرات قاسية في بداية حياته الأكاديمية.
فالمستقبل الحقيقي لا تصنعه الكلية التي تلتحق بها، بل ما ستفعله بعد أن تعبر أبوابها. فسوق العمل العالمي اليوم لا يعترف بالشهادات الورقية المكتوبة بالخط العريض فحسب، بل يبحث أيضًا عن:
- المهارات الحقيقية: القدرة على حل المشكلات والتفكير النقدي.
- التطوير الذاتي: التعلم المستمر، وإتقان اللغات، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
- الإصرار والقدرة على التكيف: المرونة في مواجهة الصعاب والنهوض بعد كل سقوط.
“ليس النجاح ألا تسقط أبدًا، بل أن تنهض كلما سقطت، وتدرك أن القسوة التي تبديها لك الظروف أحيانًا ليست إلا بداية لقصة نجاح أكثر إلهامًا.”
إلى كل طالب وأب وأم..
إلى كل طالب يتملكه الحزن لأن أرقام الورقة لم تنصف مجهوده: ارفع رأسك. فهذه ليست سوى محطة صغيرة في رحلة طويلة جدًا، وسوف تكتشف بعد سنوات قليلة أن النتيجة التي تبكيك اليوم لم تكن سوى نقطة تحول أطلقت في داخلك طاقة لتحدي الذات.
وإلى أولياء الأمور: احتضنوا أبناءكم في هذه اللحظات، واحتفوا بسعيهم، واحتووا حزنهم؛ فسلامتهم النفسية وإيمانكم بهم هما الرصيد الحقيقي الذي سيعينهم على حمل أعباء المستقبل، وليس مجرد مجموع يطويه الزمان.
البداية لم تُكتب بعد.. بل تبدأ الآن.

