[rank_math_breadcrumb]

«أنت مش عارف أنا مين؟».. عندما تصبح اللقطة أهم من إنجاز العمل

بقلم: عزت سلامة

ظاهرة مسؤولي اللقطة وفرد العضلات وتسفيه الموظفين تجاوزت حدود اللياقة، ولم تعد مجرد مواقف فردية عابرة، وإنما أصبحت في بعض الأحيان أسلوب إدارة، وكأن إظهار القوة أمام الكاميرات أهم من إنجاز العمل، وإحراج الموظف أهم من حل المشكلة، وإثبات أن المسؤول حاضر أهم من أن تكون الدولة حاضرة بخدماتها وإنجازاتها.

أخبار متعلقة

حكايات مصيرية

«قبل ما تدفع.. شوف الـ«بلاك ليست»»

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

70 عامًا على الواقعة.. لماذا لا تزال قضية البابا يوساب تُدرس؟

المشهد يتكرر بأشكال مختلفة.. وزير يوبخ مهندسًا لأنه تلعثم وهو يشرح أمامه مراحل تنفيذ مشروع، وكأن التلعثم أصبح جريمة، والموظف مطالب بأن يكون خطيبًا مفوهًا، لا مهندسًا متخصصًا يعرف تفاصيل عمله.

ومحافظ يستعرض قوته أمام مديري مدارس، بعضهم اضطر إلى القيام بأعمال الفراشين ومتابعة السباكين والكهربائيين والنجارين حتى تستعد المدارس لاستقبال الطلاب، بدلًا من أن يسأل: “لماذا اضطر مدير المدرسة إلى القيام بكل هذه الأعمال؟ ولماذا لم تتوفر له العمالة والإمكانات التي يحتاج إليها؟”.

كان الأولى أن يُقال له: شكرًا لأنك تحملت المسؤولية، لا أن تتحول ملابسه إلى قضية، ويصبح مظهره أهم من المدرسة التي يعمل من أجلها.

وطبيب يؤدي عمله ويتعرض للإهانة من موظف يعمل في جهاز حساس، وكأن الوظيفة تمنح صاحبها رخصة لإهانة الآخرين.. هنا يجب أن نتوقف ونسأل: متى أصبحت الوظيفة سلطة على الناس بدلًا من أن تكون مسؤولية تجاههم؟.

كنت أعتقد أن نبرة «أنت مش عارف أنا مين؟» اختفت من قاموسنا، وأننا تجاوزنا زمن الشخص الذي يستمد قيمته من منصبه أو البدلة التي يرتديها أو الجهة التي يعمل بها.. لكن يبدو أن العبارة لم تختفِ.. ربما تغيرت أشكالها فقط.

فمرة تأتي في صورة صوت عالٍ، ومرة في صورة تهديد، ومرة في تسفيه موظف أمام زملائه، ومرة في استعراض أمام الكاميرات، ومرة في قرار عقابي لا لشيء إلا لأن الموظف لم يعرف كيف يتحدث أمام مسؤول كبير.

القوة الحقيقية ليست في أن تخيف من هم أقل منك في الدرجة الوظيفية، وإنما في أن تجعل من يعملون معك أكثر قدرة على الإنجاز. المسؤول الناجح لا يبحث عن موظف يخاف وهو يقف أمامه، وإنما عن موظف يقول له الحقيقة دون خوف.

لا يريد مديرًا يهز رأسه بالموافقة على كل شيء، وإنما يريد من ينبهه إلى الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة.. ولا يقيس هيبته بعدد الموظفين الذين أهانهم، وإنما بعدد المشكلات التي نجح في حلها.

أما أن يتحول المسؤول إلى مخرج يبحث عن لقطة قوية أمام الكاميرا، بينما تضيع المشكلة الأصلية، فهذه ليست هيبة.. وإنما فشل إداري.

والأخطر أن إهانة الموظف لا تتوقف عند شخصه.

عندما تهين مدير مدرسة أمام العاملين، فأنت لا تهين شخصًا فقط، وإنما تهز قيمة المدير أمام مرؤوسيه.

وعندما تسخر من مهندس لأنه تلعثم، فأنت قد تجعل عشرات المهندسين بعده يخشون الحديث أمام المسؤول.

وعندما يُهان طبيب أو موظف لمجرد أن من أمامه يحمل سلطة أكبر، فأنت تزرع في المجتمع قاعدة خطيرة، هي: القوي يستطيع إهانة الأضعف، والأهم أن يظل الأضعف صامتًا.

دولة المؤسسات لا تعني أن المسؤول فوق الموظف، وإنما تعني أن الجميع تحت القانون، وأن الاحترام لا يتجزأ حسب الدرجة الوظيفية.

نحن في حاجة إلى تغيير ثقافة كاملة، لا إلى تغيير أشخاص فقط.. نحتاج إلى مسؤول يعرف أن المنصب تكليف وليس تشريفًا، وأن الكرسي مؤقت، وأن الموظف الذي يقف أمامه اليوم قد يكون أكثر خبرة منه في تخصصه، وأن الخطأ يُعالج بالتوجيه والتدريب والمحاسبة العادلة، لا بالإهانة والاستعراض.

نحتاج أيضًا إلى إعلام لا يكتفي بتصوير اللقطة، وإنما يسأل عن أصل المشكلة: لماذا وصلنا إلى هذا؟ ومن المسؤول؟ وما الحل؟.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

حكايات مصيرية

«قبل ما تدفع.. شوف الـ«بلاك ليست»»

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2