في عالم السياسة لا شيء يحدث عبثاً، ولا تقع الأحداث الكبرى بمعزل عن حسابات المصالح والنفوذ، وحين تتعرض دولة بحجم مصر لحادث غامض يستهدف أحد أهم موانيها فى دمياط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط : من نفذ؟ بل من المستفيد؟.
حتى هذه اللحظة لا يوجد دليل قاطع عن من نفذ ولم تعلن الجهات المصرية نتائج التحقيقات النهائية، لكن لو بحثنا عن المستفيد من استمرار التوتر قى المنطقة فالشواهد كلها تشير الى دولة الكيان الصهيونى أو ايران، وإن كان الحديث عن الفاعل يظل في إطار التحليل السياسى.
والقراءة المتأنية لما تشهده المنطقة من توترات تدفعنا إلى الاعتقاد بأن هناك من يسعى إلى توسيع دائرة الفوضى، وإدخال أطراف جديدة إلى ساحة الصراع…إسرائيل تخوض منذ سنوات مواجهات متعددة على أكثر من جبهة، فى ايران ولبنان وسوريا وغزة ، وتتعرض لانتقادات دولية واسعة بسبب عملياتها العسكرية وتواطؤ المجتمع الدولى.
وفي مثل هذه الظروف يصبح من مصلحة أى طرف يواجه ضغوطا متزايدة أن يوزع بؤر التوتر ، ويسعى الى أن تنشغل دول المنطقة بأزمات جديدة ، بما يخفف من التركيز على ما يجرى فى ساحات أخرى.
ومن هنا يبرز السؤال السياسى المشروع : هل يمكن أن يكون استهداف منشأة حيوية داخل مصر جزءا من محاولة لإرباك المشهد الإقليمي ، أو لإحداث شرخ فى علاقات القاهرة مع بعض القوى الإقليمية ، أو لدفع المنطقة إلى مزيد من التصعيد؟.
لقد أثبتت التجارب أن حروب اليوم لم تعد تعتمد فقط على الدبابات والطائرات ، بل أصبحت تقوم أيضا على العمليات السرية، والطائرات المسيّرة، والحرب النفسية، ونشر الشائعات، ومحاولات زرع الشكوك بين الدول.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح هذه العمليات فى تحقيق أهدافها السياسية حتى قبل معرفة الحقيقة مصر بما تمثله من ثقل سياسى وعسكرى وجغرافى، ليست دولة هامشية فى الشرق الأوسط واستقرارها يمثل ركيزة لاستقرار المنطقة بأسرها.
ولذلك فإن أى محاولة للمساس بأمنها لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثا عابرا أو معزولا عن السياق الإقليمى..ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضى أمرين متلازمين : دعم مؤسسات الدولة حتى تنتهى من تحقيقاتها، وعدم الانجرار خلف الشائعات أو الروايات غير الموثقة، مع الاحتفاظ بحق مصر فى الرد على من يحاول اشعال الفتن داخلها أو فى المنطقة بسببها، ومن المستفيد من استمرار التوتر فى هذا التوقيت الحساس.
التاريخ يعلمنا أن كثيرا من الحقائق لا تظهر في يومها الأول، وهناك ملفات عديدة بقيت سنوات قبل أن تُكشف خيوطها كاملة.. ولهذا فإن الحذر واجب، واليقظة ضرورة، والتمسك بالحقائق هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة.
قد تختلف التحليلات، وتتعدد الفرضيات، لكن الثابت أن أمن مصر خط أحمر ، وأن كل محاولة لجرها إلى صراعات جانبية أو لإثارة الفتنة بينها وبين أي دولة أخرى يجب أن تُواجه بالوعى والوحدة الوطنية، فالدول القوية لا تُهزم بالشائعات ، ولا تنجرف خلف الاستفزازات، بل تواجه التحديات بالعقل وبالمؤسسات، وبالاعتماد على الحقائق لا التخمينات.
ويبقى السؤال مطروحا حتى تعلن نتائج التحقيق : من المستفيد من محاولة إشعال النار فى هذا التوقيت ؟ . الإجابة النهائية يجب أن تستند إلى الأدلة ، لا إلى الظنون ، مهما بدت بعض الفرضيات مغرية أو منطقية.

