بقلم: محمد سعد عبد اللطيف
في ذاكرة تلبانة، هناك طبقة من التاريخ لا تُروى كثيرًا، لكنها كانت الأكثر تأثيرًا في تشكيل حياة الناس ووعيهم: زمن الخاصة الملكية، حين كانت الأرض ليست مجرد مصدر رزق، بل ساحة اختبار يومي بين الفلاح والظلم، وبين الصبر والقهر.
كانت أراضي القرية في مجملها تتخذ الطابع الطولي في مساحات واسعة ومناطق متعددة داخل تلبانة، وهو الشكل الذي فرضته طبيعة التقسيم الزراعي القديم وشبكات الري المحدودة. وقد امتدت هذه الأراضي الطولية عبر أكثر من موضع داخل القرية، وليس في قطاع واحد فقط، ما جعل عملية الري أكثر صعوبة ومعاناة يومية للفلاحين.
كانت الأراضي تمتد في خطوط طويلة مرهقة، من ترعة الجبادة العليا حتى المصرف الغمومي، مرورًا بأحواض العوراض والقبلي، وهي المساحات التي تُعرف اليوم بالدورة الثانية والثالثة والرابعة. لكن هذه المسميات الحديثة تخفي خلفها حكاية شقاء قديم، حين كان الوصول إلى الماء معركة يومية.
لم تكن المياه تصل بسهولة إلى أطراف الأرض، فكانت الحقول تعيش على شح دائم في الري. لذلك ابتكر الفلاحون وسائل بدائية لرفع الماء، أبرزها الطلمبات الحلزونية التي تُدار بالأيدي، يقف الرجل أمامها ساعات طويلة، يلف ويجاهد جسده مع الحديد والماء، وإلى جانبه السواقي البلدي التي لم تكن تكفي وحدها لإحياء الأرض.
ومع هذا الجهد الشاق، كان المحصول قليلًا، لا لأن الأرض بخيلة، بل لأن الماء لم يكن يصل، ولأن النظام الزراعي كان مثقلًا بالظلم وسوء التوزيع.
في ذلك الزمن، لم يكن الفلاح يملك قراره، فقد كان ناظر الخاصة الملكية، ومن قبله خولي التفتيش تفتيش زينب هانم، يملك سلطة توزيع الأراضي وفق المزاج لا العدل. تُمنح قطعة هنا وتُحرم أخرى هناك، وتُفتح أبواب وتُغلق أبواب، فكانت القرى تعيش تحت وطأة سلطة فردية تتحكم في مصائر الناس ومواسمهم.
وكانت تلبانة محاطة بوسايا واسعة، من وسية مظلوم باشا إلى وسية تحية الله، في مشهد يعكس اتساع الملكيات وتضييق حياة الفلاحين. أما منشية
بطاش، فقد ارتبط اسمها بخواجة من أصول أوروبية يُدعى أنطوني الصباغ، الذي امتلك أراضي واسعة واشتهر بالشدة، حتى تحوّل اسمه في الذاكرة الشعبية إلى “بطاش”، وكأن المكان نفسه صار يحمل أثر القسوة التي عاشها الناس فيه.
وفي قلب هذا النظام، كان هناك خولي الزراعة المعروف بـ”شديد”، اسم صار رمزًا للسطوة اليومية على الفلاحين، حيث لم يكن العمل في الأرض يعني امتلاكها، بل مجرد البقاء تحت شروط قاسية لا يملك الفلاح تغييرها.
وكانت القرى المحيطة بتلبانة تضم خليطًا من الأسر، كثير منهم من التراحيل الغرباوية الذين جاؤوا مع بداية مواسم زرع محصول القطن ،بحثًا عن لقمة العيش، ثم استقروا، وتكونت منهم عائلات ما زالت تعرف أصولها الأولى وتروي حكايات الرحلة الطويلة من مكان إلى آخر، حتى انتهى بهم المطاف في هذه الأرض.
هذه ليست مجرد حكاية زراعة، بل حكاية مجتمع كامل عاش على الهامش، يُنتج الحياة ولا يملكها، يزرع ولا يقرر، يتعب ولا يجني إلا القليل.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تجد هذه المأساة صداها في الأدب المصري، خصوصًا عند يوسف إدريس، وفي أعمال السينما التي جسدت تلك المرحلة، مثل “الحرام”، حيث تتحول الأرض إلى مسرح للقهر الإنساني، وتصبح المرأة والفلاح معًا ضحايا نظام اجتماعي قاسٍ لا يرحم.
ثم جاءت ثورة يوليو، ومعها قانون الإصلاح الزراعي، لتبدأ لحظة التحول الكبرى. أعيدت هندسة الأرض من جديد، فقُسمت المساحات الطويلة إلى أحواض وحواشٍ أكثر عدلًا، تتناسب مع الطول والعرض، لتصبح أكثر قابلية للزراعة والوصول إلى الماء. وكان هذا التحول بداية خروج الفلاح من دائرة التبعية إلى دائرة الملكية.
وفي عام 1965، جاءت خطوة أخرى أكثر إنسانية، حين تم توزيع أراضٍ في تلبانة عُرفت باسم “أرض المعدومين”، وهم الذين حُرموا سابقًا من الاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة 1952، كانت هذه اللحظة محاولة لتعويض ما فات، وإعادة الاعتبار لمن ظلوا خارج دائرة العدالة لسنوات.
كما جرى استبدال أرض الكنيسة، التابعة لأوقاف الكنيسة المصرية، بأراضٍ أخرى لصالح وقف الكنائس، في إطار إعادة تنظيم الملكيات وتوازنها داخل القرية، ومع نهاية الستينيات، بدأت صفحة جديدة تمامًا، حين حصل أبناء تلبانة على أراضٍ في منطقة صان الحجر بالشرقية، ليؤسسوا هناك مجتمعًا جديدًا، وأسرًا جديدة، امتدت جذورها خارج حدود القرية الأولى، لكنها حملت معها الذاكرة نفسها: ذاكرة الأرض، والظلم القديم، والتحول الذي غيّر المصير.
إن تاريخ تلبانة في زمن الخاصة الملكية ليس مجرد سرد لماضٍ زراعي، بل هو مرآة لتاريخ اجتماعي كامل، ظل طويلًا خارج كتب السياسة والحروب. تاريخ الفلاح الذي عاش بين الطلمبة الحلزونية والخولي الشديد، بين أرض لا ترويها المياه ونظام لا يروي العدالة.
إنه تاريخ الإنسان البسيط حين يُترك وحده في مواجهة الأرض والسلطة، ثم ينهض أخيرًا ليصنع من الهامش حياة جديدة.

