تلبانة زمان.. أصوات رحلت ومهن اختفت من ذاكرة الريف

محمد سعد عبد اللطيف
محمد سعد عبد اللطيف

بقلم: محمد سعد عبد اللطيف

لكل قرية ذاكرتها الخاصة، ولكل جيل أصواته التي تسكن وجدانه مهما مضت السنوات. وحين أستعيد ملامح تلبانة القديمة، لا أتذكر البيوت والشوارع وحدها، بل أتذكر الوجوه التي غابت، والأصوات التي كانت جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، والمهن التي اندثرت بعدما غيرت التكنولوجيا وجه الريف المصري.

أخبار متعلقة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

لماذا نحب مصر… ولماذا نخاف عليها؟

أتذكر ونحن صغار المرحومة نجفة، تلك السيدة الطيبة ذات الصوت الرنان، التي كانت تقوم بدور المذيع الشعبي في القرية. فإذا ضاع دجاج أو أوز أو بعض الطيور، أو غاب طفل عن أهله، خرجت تنادي في الشوارع والحارات، حاملة أخبار المفقودات إلى الناس. وقبل ظهور الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، كانت نجفة تؤدي هذا الدور بعفوية نادرة.

ومع بدايات عصر الانفتاح الاقتصادي، تحولت إلى حلقة وصل بين أبناء القرية الراغبين في السفر إلى دول الخليج. وكانت تنطق اسم أبوظبي بطريقة مختلفة تثير ضحكنا نحن الصغار، دون أن تدرك أنها تمنحنا لحظات بريئة لا تنسى. وأحيانًا كانت تحمل رسائل الغرام بين المحبين على سجيتها وفطرتها البسيطة، في زمن كانت البراءة فيه عنوانًا للعلاقات الإنسانية.

ومن المهن التي اختفت من حياتنا مهنة تبييض النحاس، حين كانت أواني الطهي تصنع من النحاس الخالص. وكان صاحب المهنة يربط حزامًا حول ظهره، ويثبت الإناء بقدميه، ثم يدور بجسده في حركة نصف دائرية، ليعيد إلى الأواني بريقها القديم، وكأنما يعيد الزمن نفسه إلى الوراء.

وكنا نسمع صوت الرجل الذي ينادي: «إصلاح وابور الجاز»، فيجلس في الساحات العامة، وتأتي النسوة بالمواقد المعطلة، ويجلسن في حلقة شبه دائرية حوله، ينتظرن دورهن، بينما تختلط رائحة الكيروسين بصوت المطرقة والمفكات، في مشهد أصبح جزءًا من الذاكرة.

ومن المهن التي اندثرت كذلك مهنة إصلاح السواقي البلدية التي كانت تدار بالمواشي، فقد كان هناك رجال متخصصون في صناعة أجزائها الخشبية وصيانتها، قبل أن تزيحها ماكينات الري الحديثة.

كما اختفت مهنة «الجساس»، وهو الرجل الذي امتلك خبرة خاصة في فحص الأبقار والجاموس، لمعرفة ما إذا كانت حوامل أم لا، وتقدير عمر الجنين في بطونها. وكان الفلاحون يثقون في خبرته، وربما لجأوا إليه أكثر من لجوئهم إلى الطبيب البيطري، في زمن كانت الخبرة المتوارثة تشكل جزءًا من علوم الريف الشعبية.

ومع حلول موسم الحصاد، كان يظهر أصحاب مهنة «الجمال»، الذين ارتبطت حياتهم بمواسم الخير. كانت الجمال تحمل المحاصيل من الحقول إلى الجرن أو إلى الأراضي الفضاء المخصصة للتجميع والدراس. وكانت القوافل الصغيرة من الجمال تسير في الطرق الترابية، محملة بالقمح والأرز والذرة واكياس القطن ، والبرسيم، في صورة ارتبطت بوجدان أبناء الريف لعقود طويلة، قبل أن تحل الجرارات الزراعية والسيارات محلها.

وبعد نقل المحصول، يبدأ دور «المدرواتي»، وهي مهنة ارتبطت بمواسم الحصاد وفصل حبوب القمح عن التبن. وكذلك الارز بعد فصله عن القش ، وكانت ماكينة الدراس القديمة مصنوعة في معظمها من الخشب، يعمل أحد الرجال على إدارتها، بينما يقف آخر فوق كرسي خشبي مرتفع، يدفع السنابل والتبن إلى داخل الماكينة، فتخرج حبوب القمح والأرز من جانب، ويتطاير التبن من جانب آخر. وكانت أصوات ماكينة الدراس، وضحكات الرجال، ورائحة التبن ، من علامات الصيف التي لا تنسى.

ومن المهن التي غابت كذلك مهنة بائع زيت الطعام، الذي كان يجوب شوارع القرية راكبًا حماره، وقد علق على جانبيه العبوات والصفيح المختلفة. وكان حضوره جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، فتخرج النسوة لشراء احتياجاتهن من الزيت، في زمن لم تكن فيه المتاجر الحديثة قد احتلت كل شيء.

كما كان هناك الرجل الذي يجمع البيض البلدي ويبيع الكتاكيت الصغيرة. وما زلت أذكر صوته الجهوري وهو يجوب شوارع القرية مناديًا: «يالِّي عندها بيض… يالِّي عندها بيض». فتخرج النساء حاملات ما جمعنه من البيض البلدي، بينما يلتف الأطفال حول صناديق الكتاكيت الصفراء الصغيرة، يتأملونها في فرح بريء، وكأنها ألعاب حية جاءت لتبث الحياة في البيوت الريفية.

وأثناء إقامتي في قبرص اليونانية، لفت انتباهي أن القبارصة اليونانيون ، يطلقون على السفن والمراكب كلمة «بابور»، وهو اللفظ نفسه الذي كان شائعًا في القرى المصرية في تسمية «بابور الجاز». كما فوجئت بأن أحد موانئ الصيد هناك يحمل اسم «باسرية»، وهو اسم قريب من «الباسرية»، ذلك النوع من الأسماك الصغيرة المعروف في مصر. ولعل هذه التشابهات اللغوية والثقافية تكشف عن عمق الروابط الحضارية القديمة بين شعوب شرق البحر المتوسط، وعن تأثيرات متبادلة صنعتها قرون طويلة من التجارة والهجرة والتواصل البحري.

ومن المظاهر التي اختفت أيضًا الفرق الموسيقية الشعبية التي كانت تعرف في الريف باسم «المزيكة»، والتي جسدتها السينما المصرية في شخصية «مزيكة حسب الله». وكانت تلبانة تشتهر بوجود إحدى هذه الفرق، حتى إن أحد أحيائها عرف باسم «حارة الطبالة»، نسبة إلى العازفين الذين كانوا يحيون الأفراح والموالد والمناسبات السعيدة.

ورحلت كذلك مهن أخرى كانت جزءًا من الحياة اليومية، مثل مصلح البلاستيك الذي كان يعيد الحياة إلى الأحذية المكسورة بالنار والأسلاك المعدنية، ومصلح الأحذية الأسكافي الجوال، ومصلح الراديو، وصانع المكانس البلدية، وصانع الأقفاص من الجريد، والسقاء، والحكواتي، وبائع العرقسوس، وغيرهم من أصحاب الحرف الذين كانوا يمثلون جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي للقرية.

لقد غيرت التكنولوجيا وجوه الحياة، واختفت معها أصوات اعتادت الآذان سماعها، ومهن عاش منها رجال ونساء بسطاء، لكنهم تركوا وراءهم ذاكرة جميلة وشواهد على زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر دفئًا، وكانت القرية تعرف أهلها، ويعرف أهلها بعضهم بعضًا.

رحل أصحاب المهن، وسكتت النداءات التي كانت توقظ الصباح وتؤنس المساء، لكن تلبانة القديمة ما زالت حية في الوجدان، تحتفظ بأصواتهم، وبحكايات ناسها، وبملامح زمن كانت البساطة فيه أجمل، وكان الإنسان أقرب إلى الإنسان.

ففي كل مهنة اختفت، حكاية تستحق أن تروى، وفي كل صوت غاب، قطعة من ذاكرة الريف المصري، الذي كان عالمًا صغيرًا، لكنه كان عامرًا بالمحبة والتكافل، قبل أن تبتلع الحداثة كثيرًا من تفاصيله الجميلة.،،!! محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2