قال السفير محمد العرابي، رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، ورئيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، وعضو مجلس الشيوخ، ووزير الخارجية الأسبق، إن فترة عمله نائبًا للسفير المصري في تل أبيب (1994 – 1998) كانت محطة استثنائية لدبلوماسي ينتمي لجيل عاش حربَي 1967 و1973؛ حيث تحولت المهمة من المواجهة العسكرية إلى مهمة سلام تهدف لإيجاد صيغة للتعايش بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
وكشف السفير محمد العرابي، عن مشاهدته الواقعه التاريخية لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995، قائلاً: “كنا متواجدين أنا والسفير الراحل محمد بسيوني في نفس المهرجان الذي كان يلقي فيه رابين كلمته قبل إطلاق الرصاص عليه، رابين رغم تشدده كانت لديه رغبة حقيقية في حسم النزاع وإحداث تعايش، ولكن الرصاصات الثلاث التي أطلقها إيغال أمير في ظهره لم تقتل رابين وحده، بل قتلت عملية السلام برمتها، ودخلنا بعدها حقبة جديدة من التشدد السياسي بقيادة بنيامين نتنياهو مستمرة حتى اليوم.
وحول تجربته في واشنطن، أوضح أن خدمته هناك تزامنت مع أحداث حرب تحرير الكويت، ومشاركة القوات المسلحة المصرية في حفر الباطن بالسعودية لإعادة الحق للكويت، مؤكدًا أن كل عاصمة عمل بها كان لها طابعها الخاص وظروفها الجيوسياسية الشديدة الحساسية والتعقيد.
وعن آلية صناعة القرار الدبلوماسي المصري، أكد أن السياسة الخارجية تقوم على ثوابت متجذرة مع وجود متغيرات فرضتها العقود والتحولات الإقليمية، فعهد عبد الناصر شهد تأثيرًا إقليميًا كبيرًا ومباشرًا في دول كالعراق وسوريا ولبنان والسودان والجزائر، عبر خطاب حركة التحرر الوطني وإذاعة صوت العرب، أما عهد السادات أحدث قفزة في الذهن العربي لم تكن مقبولة في حينها باتخاذه قرار السلام مع إسرائيل، وهو القرار الذي رفضته غالبية الدول العربية وقتها قبل أن تتغير المفاهيم لاحقًا، وفي عهد الرئيس السيسي تعتمد السياسة الخارجية عقيدة الاتزان الاستراتيجي، وتتلخص في بناء علاقات متوازنة وقوية مع مختلف القوى الدولية (أمريكا، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الصين، الهند)، مع الحفاظ على الدائرة العربية باعتبارها المحور الأساسي والأول لأمن مصر القومي.
وفرّق بوضوح بين مفهومَي السلام والتطبيع، موضحًا أن السلام هو بروتوكول واتفاق لوقف الأعمال العسكرية وتأمين الحدود، وهو ما تحقق بالفعل بين مصر وإسرائيل ولم تتخلله أي مواجهات عسكرية مباشرة، أما التطبيع فيواجه برفض شعبي وثقافي حاسم على الأرض في مصر والاردن، مما جعل السلام القائم بين الطرفين يُصنف بالسلام البارد المقتصر على الأبعاد الأمنية والرسمية فقط.
وتعليقًا على التحولات السياسية والاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية خلال الـ 16 عامًا الماضية، نفى السفي محمد العرابي نظرية المؤامرة الكلية، مؤكدًا أنها كانت تلاقيًا وتقاطعًا بين مفهومين؛ أولهما تخطيط خارجي تمثل في نظرية الفوضى الخلاقة التي طرحتها الإدارة الأمريكية في عهد أوباما وكنداليزا رايس لإعادة تشكيل المنطقة بناءً على تصورات نظرية بعيدة عن فهم طبيعة الشعوب العربية، فضلًا عن واقع داخلي مهيأ، ووجد هذا المفهوم الخارجي بيئة خصبة على الأرض تمثلت في أزمات اقتصادية، ومطالبات بالحريات والديمقراطية، مما ساعد على تهيئة الأجواء لحدوث تلك التغييرات العاصفة بالمنطقة.

