سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

ما الذي يُبقي العلاقات؟

هل كلُّ مَن اكتفى… اختفى؟

أخبار متعلقة

الحصن الداخلي : كيف تُدار السياسة المصرية لمنع امتداد نيران الإقليم ؟

عند سفح الجبل في ذكرى زكي نجيب محمود

الضفة الغربية على حافة تصعيد جديد: هل تتجه إسرائيل إلى تكرار نموذج غزة؟

حكايات مصيرية

بقلم: د. علياء رمزي

هل كلُّ مَن اكتفى… اختفى؟

أم أن بعض الناس لا يختفون لأن الحب انتهى… بل لأن الحاجة انتهت؟

سؤال قاسٍ، أعرف. لكنه من تلك الأسئلة التي إذا دخلت القلب، أعادت ترتيب ذاكرة كاملة من العلاقات.

فكم من إنسان ظننّاه متعلقًا بنا، ثم اكتشفنا أنه كان متعلقًا بشيء يجده عندنا؟ وكم من علاقة حسبنا أن سر قوتها هو الحب، بينما كان أحد طرفيها يأخذ منها ما يحتاجه: اهتمامًا، أمانًا، احتواءً، تقديرًا، حضورًا، أو حتى شعورًا بأنه مرغوب ومهم؟

ثم اكتفى.

فتغيّر.

ثم ابتعد.

وهنا لا يكون الوجع في الاختفاء وحده، بل في السؤال الذي يتركه الاختفاء خلفه:

هل كنتَ تريدني أنا… أم كنتَ تريد ما كنتُ أفعله بك ومن أجلك؟

ومن هنا جاءني سؤال أكبر، وربما أعمق:

ما الذي يُبقي إنسانًا في حياة إنسان؟

هل نبقى لأننا ما زلنا نأخذ؟
أم لأننا ما زلنا قادرين على العطاء؟
أم لأن العلاقة تحتاج إلى حركة مستمرة من الأخذ والعطاء بين الطرفين؟
أم أن هناك مرتبة أعمق من ذلك كله، تصبح فيها المشاعر ذاتها سببًا للبقاء، حتى حين لا يكون هناك شيء واضح نأخذه أو نعطيه؟

وماذا لو اكتفى الإنسان؟

ماذا لو أخذ ما كان يبحث عنه، وشُفي مما جاءك مكسورًا بسببه، وامتلأ الفراغ، وهدأت الوحدة، واستعاد ثقته وقوته، ولم يعد محتاجًا إلى يدٍ تسنده؟

هل سيظل ممسكًا بيدك؟

هنا تبدأ العلاقات في كشف أسرارها.

فالاحتياج قد يصنع اقترابًا شديدًا، والوحدة قد تصنع تعلقًا، والعطاء قد يجعل وجودنا ضرورة في حياة شخص ما؛ لكن ماذا يحدث عندما يمتلئ الفراغ، وتهدأ العاصفة، ويقف كل طرف من جديد على قدميه؟

من يبقى حين يصبح قادرًا على الرحيل؟

وهنا تحديدًا أريد أن نضع العلاقات تحت المجهر:

هل سر استمرارها فيما نأخذه منها؟
أم فيما نعطيه لها؟
أم في استمرار التبادل بين الطرفين؟
أم أن سر البقاء الحقيقي يبدأ حين يتوقف الحساب كله… ويبقى الإنسان؟

نحن نميل أحيانًا إلى الاعتقاد بأن العلاقات تنتهي عندما ينتهي الحب، لكن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فقد تنتهي علاقة وما زالت المشاعر موجودة، وقد تستمر أخرى بعدما خفت وهج البدايات.

إذن، الحب وحده لا يفسر البقاء.

والعطاء وحده أيضًا لا يصنع علاقة.

فقد يعطي إنسان كثيرًا حتى يستنزف نفسه، ثم يكتشف أن كثرة ما أعطاه لم تُنشئ علاقة متوازنة، وإنما أنشأت طرفًا اعتاد أن يأخذ.

وقد يأخذ آخر كثيرًا حتى تمتلئ احتياجاته، ثم يكتشف الطرفان أن الرابط بينهما كان قائمًا على الحاجة أكثر مما كان قائمًا على الإنسان نفسه.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل ما زال بيننا شيء يتحرك في الاتجاهين؟

اهتمام يذهب ويعود.
سؤال يقابله سؤال.
احتواء يقابله احتواء.
اشتياق لا يسكن قلبًا واحدًا.
ومحاولة لا يقوم بها طرف واحد إلى الأبد.

فالعلاقة التي يظل فيها أحد الطرفين يمد يده، بينما يكتفي الآخر باستقبالها، قد تستمر زمنًا… لكنها تفقد روحها بالتدريج.

ومع ذلك، العلاقات الإنسانية ليست دفاتر حسابات.

ليس مطلوبًا أن أعطيك اليوم خمسين لتعطيني خمسين، ولا أن نحسب المشاعر كما تُحسب الأرباح والخسائر.

فهناك أيام يحمل أحدنا الآخر كله.

هناك مرض، وخوف، وخسارة، وانكسار، وضغط، وتعب. وقد يصبح أحد الطرفين في مرحلة ما عاجزًا عن العطاء، فيعطي الآخر أكثر، ثم تتبدل الأدوار يومًا.

إذن، المشكلة ليست أن يختل ميزان العطاء أحيانًا؛ المشكلة أن يصبح الاختلال هو الشكل الدائم للعلاقة.

وهنا نصل إلى أحد أهم أسرار البقاء:

التبادلية.

لا بمعنى الحساب، بل بمعنى أن أشعر أنني موجود في قلب العلاقة كما أنت موجود فيها.

أن أراك وتراني.
أن أسمعك وتسمعني.
أن أحمل ضعفك، وأطمئن إلى أن ضعفي لن يصبح عبئًا عليك.
أن أفرح بالعطاء لك، دون أن يتحول دوري في حياتك إلى مجرد مصدر دائم لما تحتاجه.

لكنني أعتقد أن هناك طبقة أعمق من الأخذ والعطاء كله:

أن أريد استمرارك في حياتي، حتى عندما لا أريد منك شيئًا.

وهنا يصبح السؤال كاشفًا:

لو لم يعد هذا الإنسان قادرًا على إعطائي الأشياء التي اعتدت أن آخذها منه… هل سأظل أريده؟

لو اختفى المال، أو المكانة، أو الجمال، أو الاهتمام الزائد، أو الخدمات، أو الدعم المستمر…

ماذا يتبقى؟

هل يبقى الإنسان؟

هل تبقى روحه؟

هل يظل حضوره ذا قيمة في ذاته، حتى في الأيام التي لا يستطيع أن يقدم فيها شيئًا سوى وجوده؟

ربما هنا نقترب من أحد أعمق أسرار العلاقات الإنسانية:

أن يصبح الإنسان أهم مما يمنحه.

فأجمل العلاقات ليست تلك التي يتوقف فيها الأخذ والعطاء، بل تلك التي لا يصبح فيها الأخذ والعطاء شرطًا للحب.

نعطي لأننا نحب، لا لكي نضمن بقاء الآخر.

ونأخذ بامتنان، لا لأننا نعتقد أن ما يقدمه لنا أصبح حقًا مكتسبًا.

ونبقى لأن بيننا صدقًا وأمانًا وانتماءً واحترامًا ومودةً وذاكرةً ومعنى؛ لا لأن كل طرف يؤدي وظيفة نفسية في حياة الآخر.

وهنا أعود إلى السؤال الأول:

هل كلُّ مَن اكتفى… اختفى؟

لا أظن أن الإجابة يمكن أن تكون بهذه البساطة.

فليس كل من ابتعد مستغلًا، وليس كل من بقي محبًا، وليس كل علاقة انتهت لأنها كانت زائفة. البشر أعقد من الأحكام المطلقة.

لكن هناك حقيقة تستحق التأمل:

من كان يبحث عن شيءٍ عندك، قد ينتهي سبب اقترابه عندما يحصل عليه.
أما من كان يبحث عنك أنت… فقد يكتفي من أشياء كثيرة، ولا يكتفي من وجودك.

وهنا يظهر الفارق بين أن تكون مطلوبًا لما تمنحه، وأن تكون محبوبًا لما أنت عليه.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الأهم:

من أخذ أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
ومن احتاج الآخر أكثر؟

بل:

هل ما زال كل واحد منا يجد في قلبه سببًا حرًّا لاختيار الآخر؟

فالعلاقات لا يحفظها الأخذ وحده؛ لأن الحاجة قد تنتهي.

ولا يحفظها العطاء وحده؛ لأن من يعطي بلا نهاية قد يُستنزف.

ولا يحفظها الشغف وحده؛ لأن وهج المشاعر يتغير مع الزمن.

لكن ما يمنح العلاقة قدرتها على الاستمرار هو ذلك النسيج الدقيق من التبادل، والاحترام، والأمان، والمودة، والاختيار المتجدد.

أن نأخذ دون استغلال.

ونعطي دون استنزاف.

ونحتاج دون امتلاك.

ونحب دون أن نحوّل الآخر إلى وظيفة في حياتنا.

وأن نستطيع، وسط تغيّر الظروف والأعمار والاحتياجات، أن ننظر إلى الإنسان ذاته ونقول:

ما زلت أراك.

ولذلك، لعل أصدق اختبار نضع به علاقاتنا أمام المرآة ليس:

ماذا آخذ منك؟

ولا:

ماذا أعطيك؟

بل:

لو توقفت يومًا عن إعطائي ما أحب… هل سأظل أحب وجودك؟
ولو لم أعد أملك ما تحتاجه… هل ستظل تختار وجودي؟

هنا فقط نقترب من الإجابة.

فربما سر بقاء العلاقة ليس في مقدار ما أخذناه، ولا في مقدار ما أعطيناه، بل في أن يبقى الإنسان أغلى من كل ما أخذه منّا وكل ما أعطيناه له.

فالعلاقات التي تقوم على الحاجة وحدها قد تنتهي بالاكتفاء، والعلاقات التي تقوم على العطاء من طرف واحد قد تنتهي بالاستنزاف، والعلاقات التي تقوم على الشغف وحده قد تتبدل حين يهدأ وهجه.

أما العلاقة التي تعلّمت أن تأخذ وتعطي، تقترب وتترك مساحة، تحمل وتُحمَل، تتغير دون أن تفقد المعنى… فهي التي تمتلك فرصة حقيقية للبقاء.

ولهذا، بعد كل هذه الأسئلة، ربما يبقى سؤال واحد أعمق من جملة:

«كلُّ من اكتفى… اختفى.»

وهو:

حين لا يعود لدى أحدنا شيء يحتاج أن يأخذه من الآخر… هل سيظل هناك شيء اسمه «نحن»؟

إن بقيت الإجابة: نعم…

فربما لم تكن العلاقة يومًا قائمة على ما في أيدينا.

كانت قائمة على ما بين قلبينا.

فالذي يحب ما عندك، قد يرحل حين يكتفي منه…
أما الذي يحبك أنت، فقد يكتفي من العالم كله، ويبقى في قلبه مكان لا يملؤه سواك.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

الحصن الداخلي : كيف تُدار السياسة المصرية لمنع امتداد نيران الإقليم ؟

عند سفح الجبل في ذكرى زكي نجيب محمود

الضفة الغربية على حافة تصعيد جديد: هل تتجه إسرائيل إلى تكرار نموذج غزة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2