لم يكن منتخب مصر مجرد فريق شارك فى كأس العالم، بل كان منتخبًا أعاد الروح والأمل للمصريين، وقدم مع جهازه الفنى بقيادة الكابتن حسام حسن واحدة من أفضل النسخ التى ظهرت بها الكرة المصرية على الساحة العالمية منذ سنوات، بعدما واجه كبار المنتخبات بروح المقاتل، واستعاد شخصية المنتخب التى افتقدها الجمهور طويلًا.
لكن المنتخب لم يخرج لأن المنافس كان الأفضل، بل خرج بعدما ذبحه التحكيم بدم بارد و إلغاء هدف صحيح، وعدم احتساب ركلة جزاء واضحة، قرارات حرمت مصر من حقها داخل الملعب، وأفسدت متعة البطولة، وأثارت غضب ملايين الجماهير المصرية والعربية والافريقية.
ولم تكن الجماهير المصرية وحدها من اعترضت، بل خرج لاعبون ومدربون ومحللون رياضيون من مختلف أنحاء العالم ينتقدون ما حدث، مؤكدين أن ما جرى لا يليق ببطولة بحجم كأس العالم، ولا بمنظومة تمتلك تقنية ال (VAR) التى جاءت أساسًا لمنع مثل هذه الأخطاء الفادحة.
لكن ما يثير القلق أكثر أن هذه ليست الواقعة الوحيدة التى تضع الفيفا فى دائرة الشكوك، فالعالم كله تابع تدخل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لرفع الإيقاف عن لاعب المنتخب الأمريكى، ثم خروجه بنفسه ليشكر رئيس الفيفا جيانى إنفانتينو بعد السماح للاعب بالمشاركة فى واقعة غير مسبوقة، أن كرة القدم أصبحت عرضة لتدخلات سياسية سافرة تهدد استقلالية اللعبة، وتنسف مبدأ تكافؤ الفرص الذى يتغنى به الفيفا فى كل مناسبة.
وعندما يحدث ذلك على الملأ، فمن الطبيعى أن تهتز ثقة الجماهير فى عدالة القرارات، وأن تتزايد علامات الاستفهام حول نزاهة البطولة، لأن كرة القدم لا يجب أن تُدار بالهواتف والضغوط، وإنما بالقانون واللوائح التى تطبق على الجميع دون استثناء.
وفى المقابل، لا يمكن تجاهل ما حدث مع المنتخب المصرى بعد الموقف الإنسانى المشرف للكابتن حسام حسن برفع العلم الفلسطينى، وتصريحاته الواضحة فى دعم الشعب الفلسطينى الشقيق، وهى مواقف تناقلتها وسائل الإعلام العالمية على نطاق واسع، ومن حقنا أن نتساءل: هل كان ما تعرض له المنتخب مجرد أخطاء تحكيمية، أم أن هناك اعتبارات أخرى أثرت فى طريقة التعامل معه داخل البطولة؟.
إن ما حدث للمنتخب المصرى لا يسىء إلى مصر وحدها، بل يسىء إلى بطولة كأس العالم نفسها، لأن الجماهير لا تريد هدايا من أحد، ولا تطلب مجاملة، وإنما تطالب فقط بالعدل والعدالة التحكيمية، وأن يكون الفائز هو الأفضل داخل المستطيل الأخضر، لا من تحسم له صافرة حكم أو قرار غرفة الفيديو.
لقد خرج منتخب مصر من البطولة، لكنه خرج مرفوع الرأس، بعدما قدم أداءً بطوليًا أعاد للفراعنة مكانتهم بين كبار منتخبات العالم، وأثبت أن المنتخب المصرى يملك من الروح والعزيمة ما يجعله قادرًا على التفوق على كبار الفرق على مستوى العالم .
أما الفيفا، فعليها أن تدرك أن العدالة ليست شعارًا يرفع فى المؤتمرات، وإنما ممارسة حقيقية داخل الملعب، وإذا استمرت الأخطاء التحكيمية، وتزايدت التدخلات السياسية، فإنها تخاطر بفقدان أهم ما تملكه، وهو ثقة جماهير كرة القدم حول العالم.
أما الجدل التحكيمى، فلن ينتهى بخروج مصر، بل سيظل حاضرًا فى ذاكرة الجماهير، وسيبقى وصمة عار فى جبين هذه النسخة من كأس العالم والتى سيذكرها التاريخ باعتبارها واحدة من أسوأ النسخ تحكيميًا فى تاريخ البطولة، بعدما طغت صافرة الحكم وقرارات غرفة ال(VAR) على متعة كرة القدم، وتحولت العدالة التى جاءت التقنية من أجلها إلى أكبر علامات الاستفهام فى المونديال.

