بقلم/سهام فودة
لم تعد السوشيال
ميديا مجرد مكان نعرض فيه صورنا وأخبارنا؛ لقد أصبحت مساحةً تعيد تشكيل الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين. نفتح الشاشة لنشاهد العالم، ثم نغلقها وقد بدأنا نقارن أنفسنا به. وبين المشاهدة والمقارنة، يبدأ أول خيط في الصراع: كيف أبدو أمام الآخرين؟
ومن هذا السؤال يولد هوس الظهور. منشور بعد آخر، صورة بعد صورة، وكل لحظة تبدو وكأنها فرصة جديدة للبقاء في الواجهة. ومع كثرة الظهور، يصبح الاختفاء مخيفًا، وكأن عدم النشر يعني أن شيئًا ما ينقصنا. وهكذا ننتقل من الرغبة في التعبير عن أنفسنا إلى الرغبة في ألا نُنسى.
لكن الخوف من الاختفاء يقود إلى المقارنة. فحين نرى نجاحات الآخرين متتالية على الشاشة، ننسى أننا لا نرى حياتهم كاملة؛ نرى أفضل لحظاتها فقط. بينما نعيش نحن تفاصيلنا بكل ما فيها من تأخير وفشل وارتباك. وهنا تصبح المقارنة غير عادلة: نقارن واقعنا الكامل بصورة منتقاة من واقع الآخرين.
ومن المقارنة نصل إلى الأرقام. كم شخصًا أعجب؟ كم شاهد؟ كم تابع؟ شيئًا فشيئًا تتحول الأرقام إلى لغة جديدة للحكم على الذات. المنشور الذي لا يلقى تفاعلًا يبدو كأنه فشل، والانتشار يصبح إنجازًا، وكأن الخوارزمية أصبحت قاضيًا يقرر من يستحق أن يُرى.
وحين تدخل الأرقام إلى تقديرنا لأنفسنا، تتسلل إلى علاقاتنا أيضًا. نبدأ في تفسير الاهتمام بعدد الإعجابات، والقرب بسرعة الرد، والمحبة بالتعليق، والغياب بعدم التفاعل. وقد نمنح تصرفًا رقميًا صغيرًا حجمًا أكبر من حقيقته، لأننا اعتدنا أن نقرأ مشاعر الناس من خلف الشاشة.
ثم تأتي المرحلة الأخطر: أن نبدأ في تشكيل حياتنا بما يناسب المنصة. لا نسأل فقط: ماذا أحب؟ بل ماذا سيحصل على تفاعل؟ لا نعيش اللحظة كما هي، بل نفكر كيف يمكن تصويرها. وقد نختار أحيانًا ما نفعله لأننا نريد أن نُرى ونحن نفعله.
وهنا يصبح الصراع أكبر من مجرد سوشيال ميديا؛ يصبح صراعًا بين الحياة التي نعيشها والحياة التي نعرضها.
وفي وسط هذا الضجيج، تبدو حكمة النجوم مختلفة. فالنجوم لا تزاحم الشمس في وضح النهار، ولا تعتبر عدم رؤيتها خسارة. إنها تعرف أن لكل ضوء وقته، وأن القيمة لا تحتاج إلى حضور دائم في الواجهة.
وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى الخروج من المشهد. أن نغلق الشاشة دون أن نشعر أننا اختفينا، وأن نعيش لحظة لا يعرف عنها أحد شيئًا، وأن ننجح دون إعلان، ونفرح دون تصوير، ونحتفظ ببعض تفاصيلنا لأنفسنا.
فليست المشكلة أن نستخدم السوشيال ميديا، بل أن نسمح لها بأن تستخدم حاجتنا إلى القبول.
لا تجعل الخوارزمية تحدد قيمتك، ولا تجعل عدّاد الإعجابات يخبرك كم تستحق. قد يعرفك الآلاف من خلف الشاشة، لكن القيمة الحقيقية هي أن يكون لوجودك أثر في حياة أحد… حتى عندما لا تكون الشاشة مضاءة.

