الممرات الاستراتيجية حين يلتقي النيل وتايوان.. وما وراء زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

أزهار عبد الكريم
أزهار عبدالكريم

بقلم: أزهار عبد الكريم

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد زيارة لتعزيز العلاقات الاقتصادية أو الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات بين القاهرة وبكين.

أخبار متعلقة

فك الإرتباط.. والتهجير القسري 

«أنت مش عارف أنا مين؟».. عندما تصبح اللقطة أهم من إنجاز العمل

حكايات مصيرية

«قبل ما تدفع.. شوف الـ«بلاك ليست»»

فبين سطور البيان المشترك، ظهرت ملفات تبدو متباعدة جغرافيًا، لكنها تلتقي عند عنوان واحد هو الممرات الاستراتيجية ومصالح الدول الكبرى.

فماذا لو لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد زيارة اقتصادية؟
ماذا لو كانت القاهرة، بما تملكه من النيل وقناة السويس والبحر الأحمر، وموقعها بين ثلاث قارات، جزءًا من خريطة أكبر لإعادة تشكيل النفوذ العالمي؟.

هنا تبدأ القراءة المختلفة للزيارة.

فالصين تحدثت في القاهرة عن أمن مصر المائي، وأكدت أهمية نهر النيل بالنسبة إلى المصريين، ودعت إلى احترام القانون الدولي وعدم الإضرار بدول حوض النيل.

وفي المقابل، أكدت مصر موقفها الثابت من مبدأ الصين الواحدة، ودعمها لموقف بكين بشأن تايوان.

قد تبدو القضيتان منفصلتين، لكن في عالم السياسة لا تنظر الدول الكبرى إلى الجغرافيا منفصلة عن المصالح.

النيل بالنسبة إلى مصر شريان حياة، وتايوان بالنسبة إلى الصين قضية سيادة، وبينهما يظهر البحر الأحمر وقناة السويس.

فالصين دولة تجارية كبرى، واقتصادها يعتمد على حركة التجارة وسلاسل الإمداد الممتدة عبر البحار، ومصر تمتلك واحدة من أهم حلقات هذه السلاسل: قناة السويس.

ولهذا، فإن اهتمام بكين بمصر لا يتوقف عند الاستثمارات والمصانع والمشروعات، وإنما يمتد إلى الاهتمام بموقع استراتيجي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو:

هل تستطيع الصين أن تفعل شيئًا حقيقيًا في ملف أمن مصر المائي؟

هنا يجب ألا نبالغ في طموحنا؛ فالصين لديها علاقات ومصالح مع إثيوبيا أيضًا، ولذلك فإن موقفها لا يعني أنها دخلت طرفًا في الصراع المصري الإثيوبي.

لكن عندما تضع بكين في وثيقة رسمية عبارة تتحدث عن أمن مصر المائي وضرورة احترام القانون الدولي وعدم إحداث الضرر، فإن ذلك بالتأكيد ليس تفصيلًا هامشيًا.

وفي المقابل، عندما تؤكد القاهرة دعمها لمبدأ الصين الواحدة، فإنها تبعث برسالة واضحة إلى بكين:

نحن نفهم مصالحكم الجوهرية، ونريدكم أن تفهموا مصالحنا الجوهرية.

وهذا لا يعني بالضرورة وجود صفقة مفادها «النيل مقابل تايوان»، فلا توجد أدلة على مقايضة من هذا النوع.

لكنها قد تكون صورة من صور تبادل المصالح والاحترام السياسي بين دولتين تسعيان إلى توسيع شراكتهما في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.

وهناك خيط ثالث أخطر.

فإذا وضعنا النيل وتايوان وحدهما أمامنا، فقد نفقد نصف الصورة؛ لأن البيان تحدث أيضًا عن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأمن الملاحة والتجارة الدولية.

وأكدت الصين ومصر أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية أساسية للدول المطلة عليه، مع احترام إرادتها وتعزيز التعاون بينها لضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.

هنا تتجمع الخيوط:

النيل… البحر الأحمر… قناة السويس… تايوان.

قد تبدو هذه الملفات متباعدة جغرافيًا، لكنها بالنسبة إلى القوى الكبرى ترتبط بكلمة واحدة: الممرات الاستراتيجية.

الصين دولة تعتمد على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، ومصر تملك واحدة من أهم حلقات التجارة العالمية، وهي قناة السويس.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لم تكن الزيارة اقتصادية فقط.

فالبيان تحدث عن تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتوطين الصناعة، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وبناء السفن، ومراكز البيانات، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.

أي أن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا فقط، بل باعتبارها منصة تربط آسيا بإفريقيا وأوروبا.

وفي المقابل، لا نجد القاهرة تبدو وكأنها تستبدل واشنطن ببكين، أو طرفًا بآخر، بل تفعل شيئًا أكثر واقعية؛ فهي تفتح أبوابًا متعددة، من شراكة مع الصين، وعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتعاون مع أوروبا، وعلاقات قوية مع الدول العربية والإفريقية.

فهذه سياسة تُعرف بالتوازن الاستراتيجي، لامتلاك مساحة أكبر للمناورة السياسية والاقتصادية.

وهنا يصبح عنوان الزيارة أكثر وضوحًا:

الممرات الاستراتيجية.

النيل ليس مجرد ماء.

وقناة السويس ليست مجرد قناة.

والبحر الأحمر ليس مجرد بحر.

وتايوان ليست مجرد جزيرة.

كل واحد منها يقع في قلب حسابات أكبر تتعلق بالسيادة، والأمن، والطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والنفوذ الدولي.

ولهذا، ربما يكون السؤال الحقيقي بعد زيارة الرئيس الصيني لمصر ليس:

ماذا وقعت مصر والصين؟

وإنما:

ماذا ستفعل كل دولة بما حصلت عليه من هذه الشراكة؟

ففي السياسة الدولية، الكلمات مهمة، لكن ما يأتي بعدها هو الذي يصنع التاريخ.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

فك الإرتباط.. والتهجير القسري 

«أنت مش عارف أنا مين؟».. عندما تصبح اللقطة أهم من إنجاز العمل

حكايات مصيرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2