من الوكالة إلى الشراكة.. هل ينجح التحالف السعودي التركي الباكستاني في ملء فراغ أمريكا؟

كتب: رضا طاهر الفقي

في 17 يونيو 2025، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في جدة «إعلان التعاون الدفاعي الثلاثي». المشهد الإعلامي روّج له على أنه ولادة «ناتو سني جديد» في الشرق الأوسط.

أخبار متعلقة

المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار

قناة السويس ومقايضتها بالديون

الممرات الاستراتيجية حين يلتقي النيل وتايوان.. وما وراء زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

الحسيني عبدالله يكتب: الدبلوماسية الرقمية 

لكن الواقع أبعد من الشعارات. هذا الاتفاق ليس تعبيرًا عن قوة جديدة، بل اعتراف متأخر بأن عهد «ندفع ونحن محميون» انتهى. وهو محاولة سعودية لسد فراغ أمني خلّفه الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة بين عامي 2023 و2025.

ثلاث صدمات كسرت الرهان الأمريكي

لمدة 80 عامًا، كانت المعادلة واضحة: أمن مقابل نفط وشراء سلاح. لكن ثلاثة تطورات قلبت الطاولة:

سحب منظومات الدفاع: سبتمبر 2023

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية سحب بطاريتي باتريوت PAC-3 من قاعدة الأمير سلطان الجوية. وجاء القرار رغم أن السعودية وقعت صفقات سلاح مع واشنطن بقيمة 110 مليارات دولار في 2017، ونفذت منها عقودًا بقيمة 15 مليار دولار لأنظمة دفاع جوي حتى عام 2022. وكانت الرسالة مباشرة: الحماية لم تعد تلقائية.

استنزاف المخزون.. 2015-2024

بحسب تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في يناير 2024، استهلكت السعودية ما يقارب 40% من مخزونها من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» خلال 8 سنوات من الحرب في اليمن. ومع تباطؤ سلاسل التوريد الأمريكية بعد حرب أوكرانيا، تأخر تعويض هذا النقص لأكثر من 18 شهرًا.

تحويل الأولوية إلى إسرائيل: أبريل 2024

ليلة 13 أبريل 2024، عندما أطلقت إيران أكثر من 300 مسيرة وصاروخ على إسرائيل، شاركت أمريكا وبريطانيا وفرنسا والأردن في عمليات الاعتراض. وسمحت السعودية بمرور الطائرات في أجوائها، لكنها لم تستخدم قواعدها بنفس الكثافة. هذا الفرق في مستوى الالتزام أوصل رسالة إلى الرياض: أولوية واشنطن الآن هي تل أبيب.

والنتيجة أن القواعد والمنشآت النفطية السعودية، التي كانت تحت المظلة الأمريكية المباشرة، أصبحت مكشوفة بشكل أكبر أمام هجمات المسيرات والصواريخ.

لماذا تركيا وباكستان تحديدًا؟

الاختيار لم يكن أيديولوجيًا ولا مذهبيًا، بل كان اختيارًا وظيفيًا لسد ثغرتين واضحتين:

تركيا: التكنولوجيا وخبرة إدارة الأزمات

أنقرة، خلال 5 سنوات، تحولت إلى مصدر رئيسي للسلاح. وبيانات معهد ستوكهولم لعام 2024 تضع تركيا في المركز الـ11 عالميًا في تصدير السلاح، بقيمة 5.5 مليار دولار.

الأهم هو النوع: منظومات «حصار» و«سونجر» للدفاع الجوي قصير ومتوسط المدى، وطائرات «بيرقدار TB2» و«أقنجي»، التي غيرت موازين معارك في ليبيا عام 2020 وأذربيجان عام 2021. تركيا هي الدولة الوحيدة خارج الناتو التي تخوض حروبًا بالمسيرات وتدير جبهات متعددة من دون غطاء أمريكي مباشر. وهذا بالضبط ما تحتاجه الرياض الآن.

باكستان: العمق العسكري والنووي

باكستان تمتلك 170 رأسًا نوويًا، بحسب «Nuclear Notebook» لاتحاد العلماء الأمريكيين لعام 2025، وجيشًا قوامه 654 ألف جندي. والعلاقة مع السعودية ليست جديدة. فبين عامي 2015 و2024، قدمت الرياض لإسلام آباد أكثر من 10 مليارات دولار على شكل ودائع بنكية ونفط مؤجل ومساعدات مباشرة.

إضافة باكستان تعطي التحالف بُعدًا ردعيًا، وتمنح السعودية خيار العمق الاستراتيجي الذي لم يكن متاحًا مع أمريكا.

تفكيك وهم «الناتو السني»

أكبر مغالطة في تغطية الاتفاق هي تشبيهه بحلف الناتو.

الحقيقة أن النص الموقع لا يحتوي على بند دفاع مشترك ملزم مثل المادة الخامسة. وهو إطار من أربعة محاور: التدريب المشترك، وتبادل الاستخبارات، والتصنيع المشترك للسلاح، والمناورات البحرية والبرية.

الهدف ليس الحرب، بل الردع بالوكالة وتقليل كلفة الاعتماد على أمريكا. وتقول تقديرات مركز الخليج للأبحاث في دبي إن الرياض تستهدف خفض فاتورة الاعتماد الأمني على واشنطن بنسبة 30% بحلول عام 2030.

غياب الإمارات وقطر عن التوقيع يؤكد ذلك. فأبوظبي ما زالت تراهن على الشراكة مع واشنطن وتل أبيب عبر الاتفاقات الإبراهيمية، وهو ما يخلق نواتين أمنيتين في الخليج بدلًا من نواة واحدة.

تداعيات التحالف على المنطقة

طهران الآن تواجه ثلاث عواصم منسقة بدلًا من عاصمة واحدة. وهذا يعقد حساباتها في البحر الأحمر والخليج، لكنه أيضًا يعطيها مبررًا لتسريع برنامجها الصاروخي.

واشنطن غير متضررة. فتقليص الوجود العسكري في الخليج يوفر للإدارة الأمريكية 70-80 مليار دولار سنويًا. والتحالف الجديد يخدم أجندة «التخارج المسؤول» التي بدأتها إدارة بايدن وأكملتها إدارة ترامب الثانية.

تل أبيب تراقب بقلق. فتحالف يضم تركيا، التي انتقدت حرب غزة خلال عامي 2023 و2024، وباكستان، التي لا تعترف بإسرائيل، يغير معادلات التنسيق الأمني في الإقليم.

اختبار 2026

ما فعله محمد بن سلمان ليس استجداءً، بل هو بداية وعي استراتيجي؛ وعي بأن الأمن لا يُشترى بالشيكات فقط، بل بالقدرات والشركاء المتنوعين.

لكن السؤال الحاسم لم يُجب عنه بعد: هل هذا التحالف قادر على ردع هجوم كبير ومعقد من دون غطاء أمريكي مباشر؟

الإجابة ستأتي في 2026. وأول اختبار حقيقي سيكون في قدرة المنظومات التركية الجديدة على حماية المنشآت الحيوية، وفي مدى جدية التنسيق الاستخباراتي الثلاثي.

حتى ذلك الحين، يبقى الاتفاق إعلان نية أكثر منه ضمانة، والمنطقة كلها تنتظر لترى إن كان هذا التحالف الضرورة سيتحول إلى «تحالف القوة».

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار

قناة السويس ومقايضتها بالديون

الممرات الاستراتيجية حين يلتقي النيل وتايوان.. وما وراء زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2