محمد سلام
لم يعد ماراثون الثانوية العامة مجرد اختبار مدرسي لتحديد الكفاءة بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “حرب عصابات رقمية” تُستخدم فيها أحدث تقنيات الجيل الخامس وتُدار من غرف مظلمة عابرة للحدود فالغش اليوم لم يعد مجرد “برشامة” يخفيها طالب مرتبك في جيبه بل تحول إلى منظومة موازية و”صناعة” تدار بمليارات الجنيهات حيث تُنتهك تكافؤ الفرص على عتبات اللجان ويُذبح التفوق بدم بارد ليتخرج لنا جيل يحمل شهادات كرتونية تُخفي وراءها فراغاً معرفياً مرعباً فكيف تحول القلم إلى “سماعة بلوتوث”؟ ومن الذي يقود قطار التزييف؟ تعددت أسلحة الدمار التعليمي وطرق الغش المبتكرة وتجاوز الغشاشون الأساليب التقليدية ودخلوا عصر “الهايتك” وهى التكنولوجيا العالية أو المتقدمة وذلك بترسانة تكنولوجية تدهش رجال المخابرات منها سماعات الفيزا المتناهية الصغر وهى سماعات مغناطيسية تُزرع داخل الأذن لا تُرى بالعين المجردة مزودة بشريحة اتصال (فيزا) وتعمل عبر بطاقات تمويهية تشبه كروت الائتمان وأيضا النظارات والساعات الذكية وهى نظارات طبية تحتوي على كاميرات دقيقة لتصوير ورقة الأسئلة وإرسالها فوراً وساعات ذكية مبرمجة لتصفح الإنترنت ومستندات الـ بي دي إف إلى جانب جروبات التليجرام وجيش المٌحلين فهي شبكات منظمة تبدأ عملها بعد دقائق من بدء الامتحان حيث يتم تسريب الصور ليقوم جيش من المدرسين (عديمي الضمير) بحل الأسئلة وإعادة بثها كإجابات نموذجية في غضون ثوانٍ ؛ لم يأتِ الغش من فراغ بل هو نتاج منظومة ضغط مجتمعي ونفسي مشوهة.
فالثقافة المجتمعية التي تحصر قيمة الإنسان ومستقبله في كليات الطب والهندسة مما يجعل المجموع غاية تبرر أي وسيلة غير شريفة ورغم تطوير المناهج ومحاولات إدخال أسئلة الفهم (البابل شيت والمقال) لا يزال الرعب من خسارة نصف درجة يدفع الطالب للبحث عن الأمان الزائف عبر الغش لقد تحول التعليم إلى تجارة جعلت الطالب يتعامل مع الامتحان كصفقة يجب أن يربحها بأي ثمن لتعويض الأموال المستنزفة طوال العام المفارقة الصادمة أن بعض أولياء الأمور تحولوا من “مربين” إلى “ممولين” و”مهندسين” لعمليات الغش بشراء الأجهزة المحظورة
حيث يدفع الآباء آلاف الجنيهات لشراء السماعات اللاسلكية وأجهزة الاختراق لتقديمها لأبنائهم قبل دخول اللجنة وكذلك الدفاع المستميت عن الطالب الغشاش حيث تم رصد حالات يقوم فيها أولياء أمور بالاعتداء على المراقبين الشرفاء الذين يطبقون القانون معتبرين منع الغش “تعنتاً” ضد مستقبل أبنائهم ولك أن تتخيل عزيزي القاري مدى الاغتيال المعنوي عندما يرى الطالب المجتهد الذي سهر الليالي زميلاً له كسولاً ومتقاعسا طوال العام يحصل على نفس مجموعه أو أعلى بفضل سماعة بلوتوث يُصاب بانتكاسة نفسية وإحباط يقتل لديه الرغبة في التميز ويشعر بأن العدالة عمياء والغشاش في الثانوية هو طبيب المستقبل الذي يقتل المرضى بأخطاء كارثية وهو المهندس الذي تنهار عماراته فوق رؤوس ساكنيها وهو المعلم الذي يورث الجهل للأجيال والغش يضرب مفهوم “الكفاءة” في مقتل ويقود المجتمع نحو الانهيار الأخلاقي والمعرفي وتخوض الدولة معركة شرسة لضبط المنظومة وإعادة الهيبة لشهادة الثانوية العامة عبر عدة محاور منها تطهير البيت من الداخل ؛
حيث تشن وزارة التربية والتعليم حملات صارمة لاستبعاد ومنع الملاحظين ورؤساء اللجان “المرتشين” أو المتواطئين وتحويلهم للنيابة العامة بتهم الخيانة الوظيفية مع تطبيق تدوير الملاحظين بين المحافظات لضمان عدم وجود معارف والتنسيق المستمر بين الوزارة وشرطة تكنولوجيا المعلومات لغلق جروبات “شاومينج”، وتتبع القائمين عليها والقبض عليهم وتطبيق قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات الذي يصل لعقوبات الحبس والغرامات المليونية واستخدام العصا الإلكترونية على بوابات اللجان وداخلها للكشف عن الهواتف والمعادن وحرمان أي طالب يُضبط معه جهاز محمول من الامتحانات لسنوات والتفتيش الصارم للطلبة والطالبات وقد أحالت الوزارة اكثر من 425 طالبا في الثانوية العامة العام الماضي في تهم تتعلق بتصوير ونشر الامتحانات وتطبيق إلغاء الامتحانات والحرمان لمدد تتراوح بين عام وعامين لـ مئات الطلاب كعقوبة رادعة لتكريس الانضباط وتمكنت الأجهزة الأمنية ” مباحث تكنولوجيا المعلومات” من ضبط وإغلاق ما يزيد عن 39 إدارة ومجموعة غش إليكتروني “شاومينج” خلال الأسبوع الأول من الامتحانات العام الماضى فقط، فضلاً عن مصادرة وتتبع 74 جهازا تقنيا متطورا عبارة عن سماعات مغناطيسية كروت فيزا مزودة بشرائح اتصال استبعدت الوزارة إداريا ورسميا ما يربوا على 20 لجنة سير كانت تُصنف تاريخياً كـ “بؤر غش جماعي” (تُعرف إعلامياً بلجان الأكابر في بعض المحافظات) مع إحالة عشرات الملاحظين ورؤساء اللجان المتواطئين للتحقيق وتطبيق قانون العقوبات رقم 205 لسنة 2020 والذي يقضي بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة تصل إلى 200 ألف جنيه لمن يساهم في إفشاء أسئلة الامتحانات ونشرت الوزارة منظومة رقابية رقمية تُغطي 2032 لجنة سير في 613 مجمعاً امتحانياً على مستوى الجمهورية مدعومة بكاميرات مراقبة ذكية متصلة بغرف العمليات المركزية لرصد تحركات الطلاب والملاحظين لحظة بلحظة وللقضاء على هذه الظاهرة نهائيا كان ولابد من إيجاد أفكار “خارج الصندوق”
فالوسائل التقليدية لم تعد تكفي أمام تطور التكنولوجيا ولذلك يجب الانتقال إلى حلول استباقية مبتكرة منها بنوك الأسئلة الفردية وامتحانات مشفرة ومتغيرة بدلاً من نموذج واحد أو أربعة نماذج متشابهة الترتيب يُمكن طباعة امتحان لكل طالب برقم تسلسلي (QR Code) يحتوي على ترتيب أسئلة مختلف تماماً وعشوائي بحيث يصبح السؤال رقم (1) عند الطالب “أ” هو السؤال رقم (40) عند الطالب ” ب”ما يجعل التغشيش الجماعي عبر التليجرام مستحيلاً ومربكاً للجروبات وتركيب أجهزة تشويش ترددية صغيرة داخل الفصول تقطع شبكات المحمول والإنترنت والـ بلوتوث تماما داخل حيز اللجنة فقط خلال ساعات الامتحان دون التأثير على المناطق السكنية المحيطة وتخصيص جزء من المجموع لاختبارات شفهية ومقابلات شخصية تحت إشراف لجان محايدة ومسجلة بالكاميرات حيث لا يمكن للسماعة الذكية أن تُسعف الطالب في الإجابة المباشرة والارتجالية التي تقيس الفهم الفعلي وإلغاء فكرة “الفرصة الواحدة” التي تحدد مصير إثنى عشر عاما من التعليم في ساعتين وتوزيع المجموع على مدار السنوات الثلاث للثانوية مما يقلل الضغط النفسي الذي يولد دافع الغش وأقدم للسيد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني مقترحا بشأن مشروع الورقة المشفرة ذات الترتيب العشوائي الفردي وبوابات الحجب الترددي ففي ظل تطور أدوات الغش الإلكتروني وتعاظم دور منصات التراسل الفوري (مثل تليجرام) لم يعد تعديل نماذج الامتحانات الأربعة (أ، ب، ج، د) كافيا حيث تعتمد المافيا على تصوير سؤال واحد ونشر إجابته لآلاف الطلاب المشتركين في نفس النموذج لذا يهدف هذا المقترح إلى نسف فكرة النموذج الموحد وتحويل الامتحان إلى عملية فردية تكنولوجية معقدة يصعب اختراقها وآليات التنفيذ كالتالي : أولا: طباعة الامتحان الفردي فبدلا من طباعة 4 نماذج يتم الاعتماد على خوارزمية ذكية بـ “بنك الأسئلة” تقوم بتوليد ترتيب عشوائي فريد لكل طالب على حدة وتغيير الترقيم فالسؤال رقم (1) عند الطالب “أحمد” قد يكون رقم (35) عند الطالب “محمد” ورقم (12) عند الطالب “حسين” والتشفير الذكي حيث تُطبع ورقة الأسئلة مصحوبة بـ كيوآركود فريد يتضمن بيانات الطالب ورقم جلوسه ومصفوفة ترتيب أسئلته بحيث يقرأ الماسح الإلكتروني أثناء التصحيح المنظومة الخاصة بكل طالب لتصحيح البابل شيت بناءً على ترتيب أسئلته الفردية وتكون النتيجة المتوقعة القضاء التام على الغش الجماعي داخل اللجنة وتحويل جروبات التليجرام إلى ساحة من الفوضى لأن إجابة السؤال المنشورة لن يستفيد منها سوى طالب واحد من بين آلاف الطلاب مما يفقد “شاومينج” قيمته التجارية ثانيا : تكنولوجيا الحجب الترددي الموضعي الموجه ويتم ذلك بالتنسيق مع “الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات” لتوريد أجهزة تشويش ذات مدى منخفض وتغطية جغرافية محدودة (لا تتجاوز 15 متراً مربعاً للوحدة و تُثبّت الأجهزة داخل أسقف الفصول (اللجان) ويتم تفعيلها آلياً فقط خلال الساعات الثلاث للامتحان والهدف هو قطع أى إشارات قادمة أو صادرة لشبكات الـ جى تو – جى ثرى ـ جى فور ـ جى فايف وشبكات الواى فاى والبلوتوث مما يعطل عمل السماعات المغناطيسية المزروعة داخل الآذان وكروت الفيزا دون التأثير على البيئة السكانية خارج أسوار المجمع المدرسي
ثالثاً: بروتوكول تدوير وإعفاء الملاحظين (صِفر قرابة) وذلك بربط قاعدة بيانات السادة المعلمين والملاحظين بمنظومة “الرقابة الإدارية” والأحوال المدنية إلكترونياً لضمان عدم ندب أي معلم في محيطه الجغرافي أو في لجنة يتواجد بها طالب يمت للدرجة الأولى حتى الرابعة بصلة قرابة مع المعلم أو إدارة المدرسة مع جعل الندب مفاجئاً قبل الامتحان بـ 24 ساعة فقط لمنع عمليات “التربيطات المالية” المسبقة فالعائد الاستراتيجي من التطبيق هو تحقيق العدالة المطلقة وتكافؤ فرص حقيقي بنسبة 100% لجميع الطلاب المشتركين في ماراثون الثانوية العامة واستعادة الهيبة الدولية والمحلية لشهادة الثانوية العامة المصرية و توفير مئات الملايين التي تُنفق سنوياً على لجان المتابعة البدنية والتفتيش التقليدي واستبدالها بنظام رقمي آمن ومستدام إن محاربة الغش في الثانوية العامة ليست مجرد مهمة وزارة أو ضبط لجنة بل هي معركة وجود وأمن قومي لإنقاذ عقل الأمة فلن ينصلح حال التعليم ما لم يقتنع ولي الأمر أن ابناً ناجحاً بشرفه في كلية متوسطة أفضل بمليون مرة من طبيب أو مهندس مزيف صُنع في دهاليز “شاومينج ” يجب أن يظل المجهود هو العملة الوحيدة المعترف بها لتظل مصر منارة للعلم والعلماء الحقيقيين.




